الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في رحيل الناقد والأديب الدكتور محمود السمرة

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

د. إبراهيم خليل
رحيل الأديب الأستاذ الدكتور محمود السمرة ليس كرحيل أي أديب أو كاتب أو أكاديمي أو وزير سابق للثقافة، فهو المعلم والأب والمربي القدوة وحياته الحافلة بالعطاء كفيلة أن تكون قدوة، جديرٌة بأن يرويها الناس ويرددونها لما فيها من العبر والدّروسَ، فقد عانى في صِغره ِمعاناة شديدة ًجداً. وهذه المعاناة ُ كانَ منَ المُمْكن ِأنْ تجعلَ منهُ إنساناً عاديّاً كغيْره من النّاس  لولا أنه اتسّمَ منذ ُصغره بالتحدّي، ومعاندة الأقدار، والحرْص ِعلى التفوّق في جلّ ما يصْدُرُ عنه مِنْ قوْل ٍ، أو فعْل. كانت دراسته في حيفا لا في قريته الطنطورة، على الرّغم منْ أنّ أباه اشترط عليه أنْ يكونَ الأوّلَ في صفه كلّ سنة، وإلا اضطرّ لإخراجه منها، والعودة به إلى القرية. وعلى الرغم من مرارة السنوات الطوال التي قضاها في المدرسة تلك، إلا أنّ الحُلُمَ بالكلية العربية في القدس لم يزايلْ خياله، ولا بارح رؤاه، بل ظلّ هو الحُلـُم الوحيد الذي يراودُه.
وتمكن، بسبب تفوّقه، من الالتحاق بتلك الكلية التي تشبه كلية [هارو] الشهيرة في إنجلترا من حيثُ النظامُ المتبّع، والمستوى الأكاديمي.
وفي تلك الكلية يلتقي لأوّل مرّة بناصر الدين الأسد، وإحسان عباس، وآخرين منهم جبرا إبراهيم جبرا الذي كان يسْبقهمْ صفيّاً بسنة ٍأو سنتين. ولم تكن شهادة الكليّة العربيّة،على علوّ شأنها،  وارتفاع منزلتها،هي الهدف، وإنما الهدفُ التفوّق، ليظفر ببعثة لدراسة البكالوريوس.. في إنجلترا،  أو في مصر. ويحظى أخيرا بما كان يتمناه بفضل تفوقه في الكلية التي درس فيها الإنجليزية والأدب العربي، واللاتيني، والفلسفة،  وفنوناً أخرى كثيرة. ويتلقى العرض بالذهاب إلى لندن لدراسة التاريخ،  غير أنه لا يرغب بهذا التخصص، فيرجو من الله أنْ يقتنعَ المَسْئولونَ عن البعثة بتغيير التخصّص إلى الأدب العربي، واختيار مصر بدلا من إنجلترا، حيث صديقاه إحسان عباس، ومحمود الغول.
ويتمّ  تأجيل ابتعاثه بسبب عزوفه عن دراسة التاريخ مدة سنتين يقضيهما في تدريس اللغة الإنجليزية في الفاضلية الثانوية في طولكرم. وتشاء الأقدارُ أنْ يلتحِقَ بجامعة القاهرة في الوقت الذي بدأتْ فيه الحوادث في فلسطينَ تسيرُ سيْرها الأسوأ، المفجع، فمن قرار التقسيم إلى قرار 15 أيار 1948 إلى الحرب التي لم تخلُ منْ مجازرَ في دير ياسين، وسواها..  بما فيها الطنطورة التي نفذت فيها مذبحة ٌمنكرة ٌظلتْ طي ّ الكتمان إلى أنْ كشفَ النقابَ عنها طالبٌ يهوديٌّ اسمه (داني كاتس) أعدّ في الموضوع رسالة ماجستير، بَيْدَ أن الضغوط لاحقتْ هذا الطالب، وأجبرته على العدول عن آرائه بعد أنْ حُرمَ منْ الحصول ِعلى الدرجة ِفي دولة ٍتدّعى زورًا حرْصَها على حريّة التعْبير، وحقوق الإنسان.
 مخاض
ومن المحطات الأثيرة في حياة السّمْرة التي تستحقّ الوقوف َعنْدَها تجربته في مصْر، وعلاقاته الحميمة بالأساتذة، وبعض الكتاب، وانطباعاته التي وصفها في أحد كتبه بأسلوب ممتع عن البيئة في القاهرة وحلوان،  وأخيراً رحلاته المتواصلة بين القاهرة ودمشق وعمان وطولكرم، وما يسميه بتعبير يلازمه فيه الصواب مخاض الخمسينات.
فهذه الفترة من حياة الناس تشهد الكثير من الحوادث الدراماتيكية، والمتغيرات التي لم تكن في دائرة التوقع، ففي مصر يقع الانقلاب الجمهوري الذي يودي بحكم أسرة محمد علي. وعليها يشن العدوان الثلاثي. وفيها أيضا تتَّبعُ بعض الدول العربية والأنظمة الراديكالية النهج اللا رأسمالي، وتبدأ ما يعرف بالتخطيط الاشتراكي. وفيها تندلع ثورة الجزائر ( ثورة المليون شهيد ) وفيها تنالُ بعض الدول العربية استقلالها بعد معاناة طويلة مع الاستعمار كالمغرب وتونس، وتستقلّ بعض دول الخليج أو تقترب من الاستقلال بكلمة أدق. وفي هذه الأثناء، ونظراً لضخامة المسؤولية تجاه العائلة والأولاد يغادر المؤلف إلى الكويت للعمل في التدريس. ولكن هل كانت الدرجة الجامعية الأولى التي حصل عليها من جامعة القاهرة كافية؟ أكثر الذين عملوا في الكويت في حينه اكتفوا، وحمدوا الله على ما كانوا يتقاضونه من رواتب إن لم تكن كبيرة، فهي كافية على الأقل، ولكن السمرة بما عرف عنه من الطموح يتطلع للحصول على بعثة أخرى للدراسة والحصول على درجة الدكتوراه. ولا يتاح له ذلك – للأسف – إلا بعد قضاء ستّ سنوات في الكويت غادر بعدها إلى لندن للدراسة على نفقة المجلس الثقافي البريطاني. وفي مدرسة اللغات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن يلتقي مجددا صديق العمر المرحوم محمود الغول.
 سندباد بري
على مدى السنوات التي عاشها في لندن لم ينقطع عن متابعة الحياة الفنية والثقافية في المتاحف، والمسارح، ودور النشر والكتب. فهو محبّ للموسيقى، متذوّق للفنون التشكيلية على اختلاف المذاهب والأساليب، عاشقٌ للقراءة ولا سيّما قراءة الرواية، مغرمٌ بالأسفار، والترحال، في البرّ والجوّ والبحر، ينسحب عليه قوْلُ ابن زُرَيْق البغدادي :
ما آبَ مِنْ سَفر ٍ إلا وَأزْعَجَــهُ
رأيٌ إلى ســَــــفَرٍ بالحـــــــــزم يَزمعُهُ
كأنما هُو َفي حـِلٍ ّ ومُرْتَحَـــل  ٍ
موكـّلٌ بفضـــاءِ الأرْض ِيذرَعُه ُ
وهذا كله في الواقع يمثل مفتاحا لشخصيت، ففي كتابه إيقاع المدى يقول الجم الكثير عن الشغف بالثقافة،والصورة، والرسم من خلال مجلة العربي التي أشرف هو والدكتور أحمد زكي على  إنشائها من البداية حتى صدور العدد الأول، والاستمرار حتى العام 1964 عندما ارتفع توزيعها إلى ربع مليون نسخة، أي ما يعادل توزيع المجلات العربية الأسبوعية والشهرية في حينه قاطبة. ومع أن القراء عرفوا السمرة عن طريق تلك المجلة أكثر مما عرفوه عن طريق آخر، إلا أنه  اضطر لتركها، وتقديم استقالته، تمهيداً للعمل في الجامعة الأردنية التي كانت قيد التأسيس.
 إلى الجامعة
ويستطيع القارىء القول: إن العمل في الصحافة، والمجلات خاصة، كثيرا ما يستأثر بالاهتمام إلى الحد الذي يصرف العاملين في هذا المجال عن التفكير في أي عمل آخر، وذلك لما تقدمه هذه المجلات والصحف من شهرة ذات بريق، سرعان ما يذهب بالأبصار. إلا أن المرحوم السمرة – لحسن الحظ – يظل طموحه يدفع به إلى ما هو أفضل من العمل في مجلة العربي.. وعندما لاحت الفرصة أمامه للالتحاق بالجامعة الأردنية اغتنم هذه الفرصة ضاربًا بالامتيازات المالية التي عرضت عليه لاستبقائه في « العربي « عُرض الحائط. وفي الأردنية يجدد صداقته التي عرفها في الكلية العربية في القدس مع الدكتور ناصر الدين الأسد، ثم مع إحسان عباس، ويظلّ المؤلف في الجامعة  من العام 1964 إلى العام 1991.   
 في الوزارة
وفي الكتاب المذكور آنفا يروي لنا السمرة كيف كانت وزارة الثقافة عند تسلمه ِلها خاوية الوفاض، تكاد تشكو الإفلاس. وكيفَ أنّ الموظفين الذين يعملون فيها، باستثناء القليل منهم، لا صلة لهم بالثقافة، ولا بالمثقفين. ومن عجيب ِالأمر أنّ وزار الثقافة منذ ذلك الحين حتى هذه اللحظة لم تشهد إلا القليل من التغيير الذي يكادُ لا يُلحَظ. ففي نظر الحكومات المتعاقبة تظلّ هذه الوزارة – دون غيرها – من النوافل التي يُمْكن الاستغناءُ عنها دون أن يخسرَ الوطن شيئاً. مع أنّ الأمر في دول ٍأخرى على العكس. فقد ذكرَ لنا أنّ وزارة الثقافة في مصر، وفي سورية، وفي الكويت، من أضخم الوزارات، وهي تمتلك موازنات ضخمة، تمكنها من أداءِ دور أكبر بكثير من ذلك الذي تؤدّيه وزارات أخرى. وأشار أيْضاً إلى وزارة الثقافة في بريطانيا ودورها، وفي فرنسا أيضا توجد وزارة للثقافة تقوم بأعمال كبيرة تعجز عنها الوزارات الأخرى.
 النظرُ الناقد 
وللسمرة لمن لا يعرفونه نظرة ثاقبة في السياسة فهو في غير مناسبة يكرر على مسامع الجلوس أن الأمريكيين استوطنوا أمريكيا وقضوا على سكانها الأصليّين (الهنود الحمر) ولذلك يجدون في إسرائيل كيانا شبيها بكيانهم لذا يتعاطفون معه، ومن العبث أن نتصور لهم موقفا غير هذا الموقف، وما يقولونه عن السلام لا يعدو التبجّح. وفيما يخصّ أوضاع الفلسطينيين، فقد كان رأيه فيما استعذبوه من حياة المنفى، والإقامة هنا وهناك في دول الخليج، ولا سيما الكويت، دون أن يفكروا – عمليا – بأيّ حل لوضعهم السياسي، رأياً لا يستطيع أحدٌ منا التحفظ عليه، فقد أثبتت الأيام سلامة هذا التوجه، وسداد هذا الرأي وفيما يخصّ الجامعة، والتدريس، وتزايد الجامعات الخاصة ( الربحيّة ) تزايد الفِطْر، والأعداد الكبيرة للطلبة في القاعة الواحدة، والعزوف عن البَحث العلميّ، نظراً للاهتمام بالعدد على حساب النوع، جلّ ذلك أفسد المشهد الأكاديمي، سواءٌ أكان ذلك في الأردن، أمْ في البلدان العربية الأخرى. وهذه شهادة لا بدّ أن تؤخذ مأخذ الجدّ، لصدورها عن مؤلف قضى في الجامعات نحو خمسين عاما بين طالب، وأستاذ، ووكيل كلية، وعميد، وعميدٍ للبحث العلمي، ونائب رئيس، ورئيس لجامعتين:  إحداهما من الجامعات الرسمية، والأخرى من الجامعات الخاصة (الربحية). وهذا كله يضفي على رأيه هذا ما يقنعنا بجديّته، وصحته،  فهو رأي الخبير الذي ينطبق عليه قول الشاعر:  
لا يَعْرِفُ الحبّ إلا مَنْ يكابدُه ُ
ولا الصّبابَة َإلاّ مَنْ يُعانيها 
بهذه الكلمة أختَتِمُ هذه الخواطر عن أستاذنا الدكتور رحمه الله وعفا عنه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش