الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشاعر ينتصر والأديب يخسر

تم نشره في السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 02:45 مـساءً - آخر تعديل في السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 02:48 مـساءً

الدستور-عفاف مطر

عقدة الفخامة اللغوية والبلاغة ما زالت ترتبط بدرجة كبيرة بالأديب والمفكر العربي (على فرض وجود مفكرين عرب)، فحين يفتح القارئ البسيط كتاباً لأديب أو مفكر عربي،يعاني من الوصول الى المعنى وفهم الفكرة في الأغلب. لقد تخلص الشاعر من هذه العقدة منذ النصف الأول من القرن العشرين، مذ وصلت الحداثة عبر نصوص ت.إس. اليوت، وتأثربها الشعراء العرب، وعلى رأسهم بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش...الخ. على الرغم من أن الشاعر مشغول بالتعبير عن واقع حالة معينة في نصوصه، ينشغل الأديب برصد الحالة أو المرحلة تاريخية؛ إلا أن المفارقة أن الشاعر يصل أسرع الى العامة، ويكون أقرب اليهم من الأديب والمفكر. باعتقادي أن لهذا أسباب كثيرة ارى في مقدمتها عدم اعتلاء الشاعر منصة الحكم، هو أصلا لا يعنى بها كثيراً، ولا يطمح في لعب دور الحكيم أوالفيلسوف المحلل أوالحاكم بأمر العقلوالفاهم لكل ما يدور من حوله أكثر من غيره،وهو الدور الذي يحبه الاديب والمفكر كثيراً، في حين الشاعر يميل أكثر الى لعب أو تقمص دور الصعلوك، لذا نجد الشاعر أقرب الى الناس وأصدق من الكاتب. الشاعر ابن العامة ابن البيئة ابن الحالة، وهو إن يعبر عن نفسه وهو جزء من كل، بالتالي هو يعبر عن الكل، من دون تمييز، ومن دون أن يتقصد أو يتعمد ذلك، بل هي طبيعته، ولهذا نجد الكاتب في أي مجال آخر بعيداً نسبياً عن العامة ومشاعر الناس، فهو باتخاذه دور المحلل الفاهم صاحب الرؤية الشاملة يضعه بمنزلة المتكبر بشكل أو بآخر، وهو ما ينبذه أي انسان؛حتى اللغة التي استعملها شعراء الحداثة في مقدمتهم السياب هي لغة بسيطة ابتعدت عن الفخامة والقرقعة البلاغية التي تشغل بال اغلب المشتغلين بالكتابة، والأمر لم يبدأ عند الشعراء مع قصائد ومدرسة السياب، بل سبقه في ذلك العديد، أذكر منهم على سبيل المثال، مصطفى وهبي التل شاعر الأدرن الملقب بعرار، إذ لم يكتفِ عرار بالتحرر من المفردات التراثية المعجمية، بل تجازو ذلك بكثير، إذ نراه في قصائده يلجأ الى المفردات العامية، وكذلك مفردات فصحى ولكنها متداولة على ألسن العامة. يقول في احدى قصائده:

ان الصعاليك مثلي مفلسون وهو                 لمثل هذا الزمان (الزفتِ) خبوني

والأمر لو كان لي لم تفرحوا أبداً                من أجل دينٍ لكم بمسجونِ

(فبلطوا البحر) غيظاً من معاملتي               وبالجحيم إن استطعتم فزجوني

فما أنا راجع كيد طغمتكم                       حِفظاً لحقِ (الطفارى) والمساكين

(الزفتِ) (فبلطوا البحر)،(الطفارى... وهم المفلسون)، هذه تعابير عامية اردنية تجري على السنتهم حتى يومنا هذا، لم يجد عرار حرجاً في استعمالها. لهذا وصِفَ شعر عرار بالمحلية والانسانية، لانه استعان بمفردات وعبارات حيَّة نابضة صادقة. في قصيدة أخرى يقول:

ايا باشا كفى عبثاً فأيدي الدهر جبارة        إذا لطشتك داهية من الإملاق غدارة

                   تعود بغير ذي أود تقيس شوارع الحارة 

فـ ( لطشة، داهية، حارة) مفردات محكية بالعامية، لكنها أيضاً عربية فصيحة، والعامة تستعملها من دون وعي أنها فصحى. عرار الذي ولد في العام 1899 وتوفي في اربعينيات القرن العشرين، مع عدد قليل من الشعراء، انتبهوا الى ضرورة التحرر من قيود اللغة، التي يتشدد في الحفاظ عليها غيرهم من المشتغلين في الكتابة. لذا أرى أن الشاعر ينتصر للناس وللأفراد، فيما يتكبر الكاتب في مجال الرواية أو الفكر عليهم. الشاعر يسعى الى كسر القيود للانطلاق، فيما الكاتب والمفكر يسعى الى كسر القيود ذاتها، ولكن ليس للانطلاق بل لرسم حدود أو قيود آخرى هو يراها أنها الأمثل. الشعراء يعيشون ويتعايشون مع العامة بل وينحازون للمضطهدين أكثر من غيرهم، تجدهم في المقاهي والحانات، فيما يلتصق الروائي والمفكر خلف مكتبيهما، الشاعر يرقص ويبكي ويغني ويسكر ويُكَسِر ولو في الشارع، فيما يكتفي الكاتب الرواية مثلاً، بالنظر الى الشارع عبر نافذته، الى ما يجري وما يحدث من دون اقتراب واتصال حقيقي بابطال رواياته. الشاعر يتعاطف ويعيش ويشعر مع العامة مع الغجر والعاهرات والنشالين...الخ  فيما يستعملهم الأديب أداة شرح وتشريح لتفسير اسباب فساد المجتمعات وتفسخها وانحطاطها. السياب انتصر للعاهرة في قصيدته (المومس العمياء)، وعنوَّن عرار ديوانه الوحيد (عشيَّات الوادي اليابس) باسم فتاة غجرية تدعي "عشيَّات" في حين يستعمل الكتَّاب هذه النماذج لتفسير الانحلال المجتمعي وتفشي الرذيلة (شمَّاعة)، وكأنها ليست أحدى افرازات المجتمع المفروض أنه مجتمع أخلاقي! لقد زار السياب بيوت الدعارة في بغداد، وعاش عرار مع الغجر، واختار الشاعرالسودانى "محمدحسينبهنس" الشارع حتى ماتمتجمدامنالبردعلىأحدأرصفةوسطالبلدبالقاهرة، كذلكأميرشعراءماقبلالإسلام "امرؤالقيس" الذىذاقالغربةحينأنكرعليهأبوهقولالشعرفخرجولميعدوغيرهم كثر، فلم تنفصل كتاباتهم عن يومياتهم، في حين يشتم الأدباء الغجريات والعاهرات وفتيات الليل، لكنهم لا يتوانون عن الاتصال بهن في حياتهم العادية (خفية). قد لا يرى ابن الشارع وعامة الناس هذه الازدواجية عند الادباء والمفكرين، لكنه بكل تأكيد يشعر بها، وهو الامر الذي ابقى الكتَّاب زمناً طويلاً ومازالوا قابعين في كهوفهم اللغوية المظلمة. الشاعر ينتصر من دون تقصد للانسانية، والأديب يتكبر عليها، ويستجديها أيضاً، يستجدي القراء ويتوسل لشراء كتبه، وهي مفارقة تتناسب وازدواجيتهم. الكاتب والمفكر حين يسلك هذه المسالك يدرك أو لا يدرك، أنها تبعده أكثرعن الهدف الذي يدعيه وهو، اصلاح المجتمعات والرقي بها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش