الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وانكسر العُكّاز

تم نشره في الأربعاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

رواية موسى سالم

كانت لحظة من أقسى لحظات عمري الجارف، تلك اللحظة التي وضعت فيها هنا، في هذا البيت الذي تنتشر فيه روائح الشيخوخة، هذا المكان الذي يجعلك تكبر في السّن بشكل جبريّ، منذ وضع أبنائي لي هنا في هذا المكان المسمى بـ» دار رعاية المسنين». منذ دخولي إليه وأنا أشعر أنني قد غبتُ عن الوعي تماماً، أشعر أحياناً بوجودي في إحدى أحلامي غير المتحققة، هي فعلاً كالدار، لكن الدار الخالية من الحيوية والنشاط التي لا تنبض إلا بوجود الأطفال، ولن أنكر أنها دار رعاية، فهي تقدم كل ما بوسعها من مساعدة وعناية بنا نحن القاطنين، أما بالنسبة لكونها دار مسنين فقد تكون هذه الكلمة أقل ما قد يقال عنا، نحن المنكرون لفضلنا. أذكر أيام ما كان أبنائي أطفالاً صغاراً يتصرفون من دون وعي، يلعبون بألعابهم وأشاهد تلك البسمة المرسومة على شفاههم تطل من البعيد، وأستطيع أن أتذكر أيضاً كيف كانوا يتعاركون غيرةً من بعضهم البعض، بعدها يأتون راكضين إليّ يشكون بعضهم، أو قد يأتون بإصابة أحدهم يحملونها على أكتافهم، أضمدها بكل حبٍ غاضبةً ممن قام بها لأنني لا أريد أن يصاب أي أحد منهم بأي أذى. أذكرهم وهم يكبرون أمام عيني لحظة بلحظة، أذكرهم عندما بقيت ساهرةً من أجلهم خوفاً عليهم من المرض، أذكرهم حينما رأيت تألقهم في الصعود إلى العُلا والنجاح بتعبهم وكدهم، أذكرهم باسمةً عندما تابعتهم أثناء بناء مستقبلهم، أذكرهم عندما دمعت عيناي في زواجهم، أذكرهم عندما التفوا حولي عندما حملت أول حفيدٍ لي، أذكرهم بعدها عندما جلبوني إلى هنا، هذا هو آخر ما أذكره. سمعتهم عندما تناقشوا خفيةً حينما قاربتُ على إنهاء عدتي من وفاة والدهم في عبئي الثقيل عليهم، فكرت كثيراً وأنا أتنقل من بيت لآخر كل أسبوع، وفي أثناء جلوسي في أحد سياراتهم رأيت «دار رعاية المسنين» تناديني، وبعد عدة أيام أخذت قراري جازمةً في انتقالي الدائم لها، جرحتني تلك البسمة المخفية التي عبّرت عن فرحتهم العارمة لهذا القرار. أتنفس لحظاتي الأخيرة، لكن مهما حصل سيبقى ذلك النبض الذي أحياني إلى الآن أجمل ما منحتني إياه الحياة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش