الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التنوع الأدبي في مجموعة «مسا..فات»

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

رائد الحواري
للعصر أثره على الكاتب، فنحن في زمن النت والسرعة والقارئ الذي يريد الفكرة مختزلة ومكثفة، لكنّ هذا النوع من الكتابة لا يقدر عليه أي كاتب، فهو بحاجة إلى مجهود كبير وقدرات خاصة على الصياغة الأدبية، ويحتاج إلى أشكال أدبية متنوعة حتى يجد القارئ الفكرة بأكثر من شكل أدبي، كما أن اللغة والألفاظ لها مكانتها ودورها في جذب القارئ لهذا النوع من الأدب.
من الجميل أن يكون للكاتب بصمة تميزه عن الآخرين، «سمير أحمد الشريف» من الذين يكتبون قصة الومضة، وهذا النوع من القصص يحتاج إلى قدرات استثنائية، واستطيع القول إن هذا الجنس الأدبي له ميزة تحسب للقاص «سميرأحمد الشريف» الذي يتقن هذا النوع من الكتابة، وأعتقد أنه في هذه المجموعة قدّم ما هو جديد من خلال تعدد الأشكال الأدبية للنصوص، فمنها ما جاء بشكل رمزي، وآخر بشكل واقعي، وبعضها قُدم بصورة الفانتازيا، وهناك بعض القصص الساخرة، ومنها ما جاء بأكثر من مدرسة أدبية، ولا يكتفي القاص بهذا فنجده أحيانا ُيقدّم أفكارا بحاجة إلى وقفة وتفكير، كالقصص التي تطرح أسئلة أو جاءت بصيغة سؤال، وإذا ما أضفنا إلى ذلك وجود صورة قصصية، أو قصص جاءت بشكل صور أدبية، نكون أمام كاتب يستحق أن نتوقف عند ما يقدمه، فالمُلفت ليس الأفكار فحسب ـ بل الشكل الأدبي والطريقة التي ُقدّمت بها النصوص أيضا، فهنا يتوحد الجمال والتنوع الأدبي مع المضمون، وهذا التكامل بين الشكل والمضمون يجعلنا نقول إن «سمير أحمد الشريف» تميز في مجموعة « مسا..فات».
عناوين المجموعة كافة جاءت بكلمة واحدة: «هروب، مرايا، اندفاع، صراخ، تمرد، غروب» ـ إذا ما استثنينا قصة «ابن كلب» وهذا يتناسب وطبيعة قصة الومضة، فالاختزال في العنوان يخدم القصة ويعطي المتلقي اشارة عن طبيعة شكل هذه المجموعة، كما العناوين التي جاءت بين الفعل والاسم والحرف.
 الفانتازيا
سنحاول هنا تقديم بعض النماذج من الأشكال الأدبية التي استخدمها «سمير الشريف» في مجموعته القصصية «مسا..فات»،منوهين إلى أن هذا النوع من الأدب يمثل ذروة اغتراب الكاتب عن واقعه، ويشير في ذات الوقت إلى تمرد الكاتب على هذا الواقع، فالأفكار هنا تتجاوز العقل والمنطق، يقول في قصة «مواجهة»:
«مررتُ بي لحظة، قلتُ لي: كيفك يا أنا؟
تطلع بي مستغربا ثم تركني ومضى» ص 13، حالة الاغتراب نجدها في الألفاظ التي استخدمها القاص: «مستغربا، تركني، ومضى» وهذه اشارة إلى الوحدة التي يمر بها، هذا الانسجام بين فكرة الاغتراب وبين الألفاظ المستخدمة وبين شكل الفانتازيا الذي جاءت به القصة يجعلنا نتأكد أن القاص لا يكتب القصة بل هي من تُكتبه، وهذا التوحد بين الحالة الكتابة والقاص والشكل الأدبي تؤكد إلى أن الكاتب يكتب بطريقة ناضجة ومن داخله، من عقله الباطن وليس من الخارج فحسب، وهذا ما يجعل القصص تأخذ مكانتها ووقعها في القارئ.
جاء في قصة «اختناق»:
«عندما قفز النمر من اللوحة التي يضع الفنان رتوشها، لم يحرك الرسام ساكنا غير أنه أحس بخيط ساخن ينساب تحته بهدوء» ص14، هناك فعل التمرد «قفز» لكنه ليس فعل تمرد عقلي، بل فعل مجنون/أعلى وأبعد من العقل، النمر يقفز من اللوحة.
في قصة «تمثال»:
«التمثال الذي دبت فيه الحياة، كان مختلفا، صرخ/ مد أصابعه مقتلعا شعر رأسه، محتجا على الفيتو الأخير» ص66، أفعال التمرد: «دبت، مقتلعا، محتجا» وأيضا القاص يجعل من (المتخيل/المصنوع/الموجود إنسانيا) يقدم على فعل التمرد، وكأنه بهذه التمردات يستحثنا على أن نُقدم نحن أيضا على فعل التمرد.
في قصة «بُقع»:
«المانيكان التي سئمت نظرات الرجال والوقوف أمام الواجهة الزجاجية وتجذر فيها إحساس أن قطار الزواج غادر محطتها، هجمت على عامل النظافة بقوة ولم يستطع الزبون ولا صاحب المحل تخليصه إلا بعد أن تركت على جسده بقعا زرقاء وعويل صراخ يملأ المكان» ص83، «مجسم العرض يتمرد على واقعه، أليس أولى أن يتمرد الأحياء على واقعهم؟، فهي «سئمت، وهجمت» وفعلت ما لا يفعله الأحياء، فإلى متى يبقى الأحياء ساكنين؟.
 الرمز
الرمز له وقعه على القارئ كما هو الحال بالنسبة للأشكال الأدبية الأخرى، وهو شكل أدبي يحاول فيه الكاتب أن يُبعد القارئ قليلا عن المباشرة حتى يعطيه مساحة للتفكير والوقوف أمام النص، جاء في قصة «تحذير»:
«لعقت البقرة وجه وليدها بحنو هامسة...
: لا تنخدع بعنايتهم الزائدة فحليبي ولحمك هدفهم المنظور» ص 25، العقل العربي متعلق بقصص الحيوان فهناك كتاب «كلية ودمنة» الذي يعد جزءا من التراث الثقافي العربي، «سمير الشريف» في هذه القصة حاول أن يقدمنا من جديد إلى ما في ذلك الكتاب من حكم.
يقول في قصة «ارتباط»:
«لا تبتعدي عزيزتي إحساس جارف بالفراغ يحتويني بعيدا عنك..
همس فنجان القهوة وهو يزحف نحو الدلة التي تعبق برائحة الهيل» ص45، من الجميل أن يقدم لنا علاقة حب بهذا الشكل الجديد والبعيد عن المباشرة، وما يحسب للقاص أنه استخدم المذكر «فنجان» والمؤنث «دلة» والتألق جاء عندما جعل «الفنجان» يأخذ قيمته هو ملآن الدلة المؤنثة، والتي تعطيه القيمة والأهمية. فبدون الأنثى» لا قيمة للذكر، هذا ما أراد أن يوصلنا إليه القاص.
قصة «تطور»:
«الطريق الزراعي الذي ظل محطة للعاشقين، أصابه الاكتئاب عندما توسعت حدود البلدية وصار نفقا لا يتوقف عنده حتى العابرون» ص65، يركز القاص على استخدام الرمز عندما يريد أن يتحدث عن العشق والحب، وكأنه يريدنا أن نتوقف عند هذا الفعل الإنساني الذي نفتقده في هذا الزمن، عصر السرعة والنت، حدّ وقلل من أهمية فعل الحب ودوره في الحياة الإنسانية، فأراد القاص أن يطرح أهمية هذا الفعل من خلال استخدام الرمز؟.
الواقع
هناك بعض القصص جاءت بصورة واقعية، لكن الاختزال والتكثيف اعطاها سلاسة وانسيابية، بحيث جاءت خفيفة الظل، من هذه القصص قصة «لعب»:
«زحف بكرسيه داخل المقهى المعتم يكركر ماء شيشته متهيئا للعبة جديدة...
ـ رتب جنودك يا صديق ما نحن غير أحجار على رقعة الشطرنج» ص46، الفعل والكلام والحدث كلها واقعية لكن الطريق والفكرة التي جاء بها جعلتها جميلة وذات أثر.
 الصور
من جمالية النص الأدبي أن يكون هناك صور أدبية تخفف من وطأة الألم على القارئ، وتمنحه شيء من الفرح من خلال الجمال الذي تحمله الصورة الأدبية، «سمير الشريف» من الذين يهتمون بالقارئ لهذا نجده يكثر من هذا التعدد والتنوع في مجموعته لقصصية، وأن يستزيدنا بهذه الصور الأدبية التي تضمنتها قصصه، كما في قصة «لعاب»:
«أمام عربة الحلوى، مضغ المتسول أمنياته المهاجرة» ص20، ففي هذه القصة التي تحمل أكثر من شكل أدبي، وفيها الرمز والواقع والصورة الجميلة والتكثيف والاختزال واللغة السلسة السهلة، نجد ابتعاد اقاص عن استخدام ألفاظ قاسية قدر المستطاع، فإذا ما استثنينا لفظ «المتسول» نكون أمام الفاظ عادية رغم قسوة القصة وما تحمله من فكرة الحرمان.
في قصة «حلم»:
«أمام اللوحة التي يعلو فيها الموج ضاربا أسوار المدينة، تمنى أن يسحبه الماء إلى الأعماق التي احتوت حبيبته» ص23، صورة العلاقة الحميمة التي تجمع الحبيب بالحبيبة، وكأن القاص من خلال هذه الصورة أرادنا أن نتقدم من جديد من فكرة الانتماء للحبيب، فهو يريدنا أن نتخلص من مفاهيم العصر الجديدة وما فيه من ماديات.
في قصة «محاولة»:
«ظل الغصنان يحاولان أن يتصافحا في الأعالي، غير أن مخبرا أمعن في قصهما شكا في ذاك اللقاء المريب»ص24، قصة تحمل الرمز والصورة الأدبية معا، مما أعطاها أثر جميل على القارئ، رغم وقع الحدث القاسي.
قصة «عسس»:
«تحسس كاتم الصوت بيد باردة، أصاخ السمع عله يصل لهمهمات النائمين في أحلامهم» ص43، يستخدم القاص الصور الأدبية عندما يريد أن يتحدث عن النظام الرسمي العربي، وكأنه يتعمد أن يخفف من وطأة الحدث والمشهد من خلال استخدام الرمز الصور الأدبية، فهو يعتني بمزاج ونفسيه القارئ، لهذا هو حريص على عدم ازعاجنا ـ قدر المستطاع ـ بالأحداث والمشاهد المؤلمة، لكنه في الوقت نفسه يريد أن يوصل فكرته لنا.
في قصة «محاكمة»:
«صرخ الفتى بوجه والده المعلق في إطار
ـ صدئت بنادقنا التي اشتريت، ولم يُبق الذئب على أحد من خرافنا» ص49، هنا نجد الفانتازيا والرمز والصورة الأدبية، بما يتناسب وحجم المأساة/السواد في النص، حيث الألفاظ : «صرخ، المعلق، صدئت، بنادقنا، الذئب» وهي بشكلها المجرد تعطي مدلولا على القسوة والسواد، لهذا اراد القاص أن يوازي بين فكرة السواد والشكل/الطريقة الأدبية بحيث لا يتعب القارئ.
المجموعة من منشورات وزارة الثقافة، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2018.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش