الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كيف نفكر في الصلة بين العلم والدين؟

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:00 صباحاً

 د. طه عبد الرحمن 


لقد فكَّر غيرُنا طويلا في الصلة بين العلم والدين، حتى أضحى هذا التفكير سبيلهم إلى صنع تاريخ لهم جديد، تاريخ أضفوا عليه من جميل الأوصاف ما أضفوا؛ فهل فكَّرنا نحن من جانبنا في هذه الصلة كما فكَّروا، وطوّلنا في هذا التفكير كما طوّلوا، وخرجنا منه بما خرجوا؟ كان يصح الجواب بـ»نعم» لو أننا أبدعنا في تفكيرنا كما أبدعوا، إذ لا تفكير بحق إلا مع وجود الإبداع؛ والواقع أن تفكيرنا في هذه الصلة الخفية خلا من أسباب الإبداع، إذ اكتفينا بترديد ما قاله غيرنا في وجوه هذه الصلة.
وقد انقسم هؤلاء بشأنها إلى فرق ثلاث:
1-إن بين العلم والدين تناقضًا صريحا
2- إن بين العلم والدين تمايزا لا تناقضا
3- إن بين العلم والدين تباينا لا تناقضا
ووُجدت منا نحن كذلك طائفة ثالثة ادعت ما ادعاه هؤلاء، مسترجعة بهذا الصدد ما قاله بعض أسلافنا من كون الدين يُعبّر عن الأشياء بلغة المجاز والإشارة، في حين أن العلم يُعبّر عن هذه الأشياء بلغة الحقيقة والعبارة؛ لذا لا يجوز أن نحكم على الإشارة بما يجب في حق العبارة، وإلا صارت قولا كاذبا، ولا أن نحكم على العبارة بما يجب في حق الإشارة، وإلا صارت قولا لا يقبل التحقيق ولا التدليل؛ فيتباين الدين والعلم عند أفراد هذه الطائفة منا كما تتباين لغة الشعر ولغة المنطق؛ وما دَرى هؤلاء أن الإشارة ليست درجة واحدة، وإنما درجات كثيرة، وأن العبارةَ –هي الأخرى- ليست درجة واحدة، وإنما درجات مختلفة! وحينئذ لا مفر من أن يتعذر عليهم الفصل في الأقوال التي تنـزل الدرجات الوسطى هل وردت على وجه الإشارة أم على وجه العبارة.
فهذه مواقف ثلاثة من الصلة بين العلم والدين وقفها غيرنا، فقلّدناهم فيها على غير بصيرة من أسبابها الحقيقية في مجالها الأصلي؛ أولها التناقض، وهو يفضي إلى صرف الدين؛ والثاني التمايز، وهو يفضي إلى تقديم العلم على الدين؛ والثالث التباين، وهو يفضي إلى جعل العلم في رتبة الدين.
ما السبيل للخروج من هذا التقليد؟
فإذن هل من سبيل إلى الخروج من هذا التقليد الذي لا يوضح ما استشكل علينا من أمر العلاقة بين العلم والدين ولا يرفع ما استغلق علينا بصددها، بل ينقل إلينا ما يزيد هذا الأمر استشكالا واستغلاقا، حتى صرنا لا نتعرف على هذه العلاقة في صورتها الأولى عندنا كما كنا قبل التعاطي لهذا التقليد؟ ولكي ينفتح لنا باب التجديد في النظر إلى الصلة بين العلم والدين، فلا بد من صرف الاستغلاق الزائد الذي دخل عليها بسبب التقليد.
يأتي هذا الاستغلاق من تَصوُّرين منقولين عن غيرنا كلاهما مردود، أحدهما «اختزال العلم في علوم الطبيعة»؛ والثاني «اختزال الدين في أحوال الإيمان».
لا يمكن اختزال العلم في علوم الطبيعة
فلا يمكن أن نختزل العلم في علوم الطبيعة لوجود مبدأين يمنعان هذا الاختزال:
أولهما «مبدأ مراتب العقل»؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه العلم هو بالذات «ماذا أعقل؟»، فيكون الأصل في العلم هو العقل الصحيح؛ غير أن العقل الصحيح ليس – كما شاع وذاع- رتبة واحدة، وإنما هو –على الحقيقة - رتب متعددة؛ وحيثما وُجدت رتبة من هذه الرتب العقلية فثمّة علم على قدرها؛ وعلى هذا، يكون العلم فوق العلم الطبيعي متى كانت رتبة العقل الذي يتعلق به تعلو على رتبة العقل الذي يتعلق بالعلم الطبيعي، كما يكون العلم دون العلم الطبيعي متى كان العقل المتعلق به ينـزل عن رتبة العقل المتعلق بالعلم الطبيعي؛ وهكذا، فالعلم أوسع من أن يستوعبه العلم الطبيعي وحده.
والمبدأ الثاني هو «مبدأ استكمال العلم»؛ وتوضيحه أن الأصل في كل علم من العلوم أن يطلب كمالَه، ولا يُحَصِّل هذا الكمال إلا بالالتجاء إلى العلم الذي يعلوه؛ ذلك أن كل علم تكون به آفات وله حدود، ولا يمكن أن يُزيل هذه الآفات ويَرفع هذه الحدود إلا علمٌ أرقى منه، فلا بد إذن لكل علم من أن يظل موصولا بالعلم الذي فوقه، حتى تزول عنه آفاته وترتفع عنه حدوده؛ وهكذا فالعلم الطبيعي لا تذهب عنه مناقصه ويكتمل حقا إلا بعلم غير طبيعي يسمو عليه.
لا يمكن اختزال الدين في أحوال الإيمان
كما أنه لا يمكن أن نختزل الدين في أحوال الإيمان لوجود مبدأين يمنعان هذا الاختزال:
أولهما «مبدأ تعدد شعب الحياة»؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه الدين هو بالذات: «كيف أحيا؟»؛ فيكون الأصل في الدين هو الحياة الطيبة،غير أن الحياة الطيبة ليست شعبة واحدة، وإنما شعب متعددة؛ وقد نُجمل هذه الشعب في ثلاث كبرى، وهي «شعبة الإيمان»، وتدخل فيها كل الاعتقادات؛ ثم «شعبة العلم»، وتدخل فيها كل المعارف؛ فـ»شعبة العمل»، وتدخل فيها كل الأفعال؛ ولا حياة طيبة إلا بتكامل هذه الشعب الثلاث فيما بينها، فالفرد لا يحيا بشعبة واحدة منها، إن إيمانا وحده أو علما وحده أو عملا وحده، ولا بشعبتين منها، إن إيمانا وعلما معا أو إيمانا وعملا معا أو علما وعملا معا، وإنما يحيا بها جميعا على قدر نصيبه من كل شعبة منها؛ وهكذا، فالدين أوسع من أن تستوعبه حال الإيمان وحدها.
والمبدأ الثاني هو «مبدأ استكمال الشعبة»؛ وتوضيحه أن الأصل في كل شعبة من شعب الحياة الطيبة أن تطلب كمالَها، ولا تُحَصِّل هذا الكمال إلا بالتداخل مع الشعبتين الأخريين، ذلك أن كل شعبة تكون بها حاجات ولها تعلُّقات، ولا يمكن أن تُلبي هذه الحاجات وتُرضي هذه التعلقات إلا هذه أو تلك من الشعبتين الأخريين أو هما معا؛ فلا بد إذن لكل شعبة من أن تظل موصولة بغيرها من شعب الحياة؛ وهكذا، فالشعبة الواحدة لا تبلغ غاياتها وتكتمل حقا إلا بباقي الشعب.
معالم الصلة بين العلم والدين عندنا
بناء على هذا الذي ذكرناه في سياق إبطالنا للاختزالين المنقولين، تتضح معالم الصلة بين العلم والدين التي قد نكون بها مجدِّدين غير مقلدين، ومنتِجين غير مستهلكين؛ وهذه المعالم المبدعة هي:
أ- أن مفهوم «العلم» يصبح –بمقتضى «مبدإ مراتب العقل»- أوسع من المفهوم المتداول «للعلم»، كما أن كل علم يصبح -بمقتضى «مبدإ استكمال العلم»- محتاجا إلى ما فوقه من العلوم؛ وفي هذا تجديد يخالف ما تقرر عند غيرنا.
بـ- أن مفهوم «الدين» يغدو –بمقتضى «مبدإ تعدد شعب الحياة»- أوسع من المفهوم المتداول «للدين»، كما أن كل شعبة تغدو -بمقتضى «مبدإ استكمال الشعبة»- محتاجة إلى ما يناظرها من الشعب؛ وفي هذا تجديد يخالف ما تقرر عند غيرنا.
تترتب على هذا الاتساع في مفهوم «العلم» ومفهوم «الدين» نتائج أساسية:
أولاها: أن العلم لا يقابِل الدين مقابلة تناقض، ولا مقابلة تمايز، ولا مقابلة تباين، وإنما مقابلة تداخل، إذ يكون العلم جزءً واحدا من أجزاء الدين كما يكون الإيمان جزءً ثانيا والعمل جزءً ثالثا من هذه الأجزاء.
والثانية: أن العلم -خلافا للقائلين بالتناقض- لا يمتنع أن يَرِد في ترتيب واحد مع الدين، وأنه –خلافا للقائلين بالتمايز- لا ينـزل رتبة أعلى من الدين، وأخيرا أنه -خلافا للقائلين بالتباين- لا ينـزل نفس الرتبة التي ينـزلها الدين، وإنما ينـزل رتبة أدنى منه كما يكون الجزء أدنى من الكل، إذ إن العلم يدخل في الدين دخول الإيمان والعمل فيه.
والثالثة: أن العلوم التي تكون جزءً من الدين لا تقتصر على ما اختص باسم «علوم الدين»، وإنما تشمل أيضا ما اختص باسم «علوم الدنيا»، سواء كانت علوم رياضة أو علوم طبيعة أو علوم حياة أو علوم إنسان؛ فكل علم منضبطٍ بالمبدأين المذكورين: «مبدأ مراتب العقل» و»مبدأ استكمال العلم» يصح أن يُتعبد ويُتقرَّب به، أي يُتديَّن به؛ وقد ذكرنا أن المبدأ الأول يقضي بأن تتنوع العلوم بتنوع رتب العقل، أعلاها ما تعلق بما فوق الطبيعة؛ وأن المبدأ الثاني يقضي بأن يكون كل علم موصولا بما فوقه، حتى يتمكن من صرف النقص الذي يلحقه.
والرابعة: أن تطوُّر العلوم –على خلاف ما يَظُن غيرنا- لا يُضيّق من رقعة الدين، بل يزيدها توسعا، ولا ينقص من تأثيره، بل يزيده قوة، ذلك أن العلوم، لما كانت جزءً داخلا في بنية الدين نفسها، كانت الأطوار التي تتقلب فيها والتي يَفضُل لاحقُها سابقَها، تفتح في الدين آفاقا معرفية غير مسبوقة وترقى بفهمنا له درجات على قدر هذه الأطوار، بل إنها تتعدى ذلك إلى كونها تُجدِّد قدرتنا على التديّن وتُنوِّع سُبلَ تحقُّقه لدينا.
والقول الجامع أن صلة العلم بالدين، من منظور الإسلام، هي صلة تداخل يكون فيها العلم جزءا من الدين، فيلزم بحسب هذا المنظور أن نُقدِّم الدين على العلم، لا تقديم الفاضل على المفضول، وإنما تقديم الكل على الجزء كما يلزم بحسبه أن نُدخل في الدين كل العلوم، لا دخول التابع في المتبوع، وإنما دخول العنصر في المجموع، ألا ترى كيف أن مكتشفات العلوم وحقائقها –وهي تشهد بصدقِ أخبار الدين وصحة أحكامه- نزداد بها افتكارا واعتبارا، حتى إنها تُقوِّي صلتنا بخالقنا كما يقويها دائم صلواتنا!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش