الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«مدارج السلسيون» رواية أفريقية مدهشة لمحمد تلبو

تم نشره في الجمعة 21 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:00 صباحاً

صبحي فحماوي
يتميز إبداع الرواية العربية السودانية بكونه يأخذنا في متاهات ضبابية عبر عتمة بقايا غابات أفريقيا المنقرضة، وعري طرقاتها الترابية المزروعة بغبار الأشباح، ورعب الأرواح، ومهر العروسة ثلاث عنزات، ودية القتيل بقرتين، ومقايضة بيت محروق بجمل، وبأن كل مدينة أو قرية يتوجها شيخ قبيلة بصفته الملك المالك للمال والمآل، وكما قال الطيب صالح للأوروبيين أنه في السودان يمد يده من شباك غرفة النوم، ليلاعب التماسيح المتقافزة من غفوة خدرها في بطن النهر.
عرفت محمد دهب تلبو من خلال روايته الأولى «مدارج السلسيون» وكنا نسميه (سرسيون). ويكتب عنه تلبو ص6، أنه «مادة كيماوية لزجة عالية التماسك، لها قدرة على رتق الثقوب الصغيرة في إطارات الدراجات الهوائية، وقدرة خارقة على معالجة الثقوب الكبيرة التي أحدثها المجتمع في قلوب المشردين.. وهو متوفر بكثرة، كتوفر الموت المجاني والأمراض المزمنة..» يقول هذا، ويعود في صفحات أخرى لتوضيح طريقة التعامل معه بالاستنشاق الفموي لسحب نفس عميق عبر الخرقة، واضطرارهم لشرائه كمنعش مُخدِّر، رغم ارتفاع سعره أمام الفقر والتشرد، لدرجة أنه سمى الرواية بهذا الاسم «مدارج السلسيون».
وهي رواية مكتوبة في الزرقاء، الأردن، وصادرة من القاهرة عن دار أوراق للنشر، عام 2015- في 188 صفحة قطع متوسط. وما أكثر دور النشر هذه الأيام التي لا تفكر إلا بقبض المبلغ المطلوب، لتصدر كتبها غير مُدقِّقة بعد ذلك في شيء.
المكان قرية أبو خرايط – دارفور. حيث غابات السنط والهلجيج، والهشاب، بيوت متفرقة بنيت من أعواد الأبنوس، وسط (غابة مزالة) تركت بعض أشجارها كشاهد على تواجدها سابقاً.
وشخصية الرواية ولا أقول بطلها، فالأبطال انتهوا، منذ عصور الكنعانيين هاملكار وهانيبعل وكليوبترا، والزباء، وصلاح الدين الأيوبي، وعمر المختار، فصرنا نقول شخصيات رئيسة، وشخصيات ثانوية، وهنا نجد شخصية الرواية عماد ابن الشخصية القوية الشهيرة (القوني باحش الخلا) ،والقوني نسبة إلى عبد الله قون، صاحب طريقة في السنغال، والباحش هو الأسد. وهو رجل فاحش الثراء، عرف عنه الدهاء وحلاوة اللسان، يملك نصف ما في الاتحاد من خيول، لدرجة أن كثيراً من (خيوله تسبق خيوله) في الرهان، إذ كان لا يمانع في الدفع لمن يحاول كسر رجل حصان منافس لحصانه، فيضحك عماد قائلاً: «فرس يسابق نفسه، حتماً سبق».
 ولقد عاش أبوه؛ باحش الخلا سيداً آمراً ناهياً بين عشيرته، وقد حصل عماد على درجة القونية، وهي مرتبة تشادية للعالِم المطلق في الدين والفلك، وهو مُطّلع بالقراءة ، ولديه أنواع كثيرة من المواشي والجِمال، وكان قد تنقل في تسعة وتسعين بلداً، ووصل إلى بلاد لا حصر لها، إذ (وصل إلى فاس التي ليس بعدها ناس) حيث كان المغرب هو الغروب.. هو آخر الدنيا.. لقوله تعالى: «حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ»، قد يكون هذا العلم والفقه والجاه أهّله لدرجة أن يكون حلقة الوصل بين أصحاب الأراضي عند تسجيلها، إذ صاروا يقولون:
«ستظل أرضك مجهولة ما لم تتراض مع عماد جنِّي.» إذ إن مديرية الأراضي فوضته عُرفاً، لا قانوناً، فخصص لذلك جلسات تسوية..كان اسم عماد جني حاضرا حيثما تحتاج أوراقك إلى ختم..إذ تبدأ بعرض قضيتك عليه في جلسة شاي مدفوع الثمن...وبهذا الكسب في كل مناسبة، حتى ولو بكأس الشاي الذي يقبض ثمنه بالغالي، فجنى أموالاً لا حصر لها، حتى وصل إلى رأس الهرم. لدرجة أن أحدَهم دعاه، فنحر له جملا، وذبح له ثوراً . وذلك يذكرني بحاتم الطائي الذي ذبح ثلاث نياق للنابغة الذبياني ورفيقيه. وبهذا تفوق على حاتم الطائي إذ ذبح جملا وثوراً لشخص واحد.
المصيبة أن عماد جني بكل هذه التصرفات لم يصبح مكروها من قبل الناس الذين اعتبروه داعما للبروليتاريا، وذلك بعدما حقّر رجل أمن سكراناً يستغل سلطته لقهر أبناء الريف.
وتلبو يستخدم أسلوب الغموض في السرد، الزائد أحيانا عن الحاجة، إذ يقول تحت عنوان (خواء الروح) ص5: « العدم قد وزع فرسانه على جميع طرق الروح شاهرين سيوف الفناء في تكبر المغتصبين وغطرسة الطغاة، أيادي القدر وجلت من هدير الفوارس الذين يحملون سيوفاً بطول الظلام، الليل يسامر الأحزان ويستجديها لاالشفاعة..» ويستمر بهذا الأسلوب الغامض المتراكم لعدة صفحات..وهذا التراكم يذكرني بالمثل المصري القائل:(كثر السلام يقل المعرفة.)
 التشبيهات
يكتب تلبو في روايته كثيراً من التشبيهات الأفريقية، نذكر منها:
وهكذا «سرى اسمه كما تسري النار في تبانة علف..»صفحة 20
« النهايات الدغلية هنا كعانة امرأة مجنونة.»
«القرويون يحبون العمل الجماعي كما النمل» ص25
«الشباب يضربون قناديل الدخن بقوة، مثل ملائكة العذاب وهم يضربون الكفار وتاركي الصلاة بكلاليبهم» ص27 لقوله تعالى: «عليها ملائكة غلاظ شداد «
«تعصب البدوي وغيرته تجعل القتل أمامها أسهل من أكل العصيدة»
«رغبته في القتل تفوق رغبة ضبعة مستشرية تسكن كهوف البطحاء»ص50
 الرومانسية
في هذه الرواية معالم كثيرة منها «الرومانسية الأفريقية» إذا جاز التعبير، تلك التي تمزج الحب بالعذاب، والسكينة بالرعب كقوله:»لا يهزم ظلمة الليل هنا سوى ضوء القمر عندما يكتمل.أو إحراق كل أكواخ القرية « وهذا نجده في أغنية فيروز:»في واحد هو ومرته..ولووو شو بشعة مرتو.»
«كملاك بدأ الصغير يرتفع داخل شعاع الزرقة الدائري» ص40
«عاشت صغار الضباع جوعاً قاتلاً وكذلك كبارها، بسبب الوشايات الدسيسة التي كانت تطلقها بنات آوى على آذان الغزلان والطلاء»ص73
 أشباح وأرواح
هنا نجد أن عتمة أفريقيا مسكونة بالأرواح والأشباح الصاعدة من جوف الخوف الذي يسكن الأفئدة المتحركة في هذا الخواء البعيد، لقوله: «ليس هناك ثمة أرواح شريرة كالتي تتلبس شجيرة الشحيط عند مورد الماء الوحيد.»ص40 حتى شجرة الشحيط الوحيدة عند مورد الماء تجدها تحمل ثمارها على شكل أرواح شريرة.
 الأمثال
الأمثال الأفريقية كثيرة في هذه الرواية، كقوله: (وصل إلى فاس التي ليس بعدها ناس)،
«وجد أن ذاكرته أفقر من ذاكرة بعير» ص38 مع أنني أعرف أن البعير يخزن حقده إلى أن يحين الوقت..ولكن محمد تلبو أعلم.
 جهل مُطبق
في هذه الرواية حركات مضحكة وجهل مأساوي، جعل عماد باحش الخلا مهيباً بين الناس، إذ فهمَت جماهيرُهُ أنه يتحدث بكل اللغات، بعدما شاهده أحدهم يعد النقود بطريقة معكوسة ابتداء بالآلاف وانتهاء بالواحد.ص.22
الناس يعتقدون بقوة علم ودين وهيبة القوني بائع الدواء إذ يقول تلبو:
«آية القوني هي سبب شفاء المرضى الذين باع لهم الدواء، وإذا مات أحدهم فهو بسبب الشيطان، وكيد النصارى الذين غالبا ما يدسون السموم في حقنهم الملعونة»ص.24
 تصوير دقيق
وعين السارد تلبو تشبه أحدث عدسات أجهزة الخلوي التي تتابع وتصور بمنتهى الوضوح لقوله: «الأطفال منهمكون في مطاردة كلب عقور يدّعون أنه عض لهم شاة، يعلون ويهبطون على مطارداتهم وتسارعهم المشتت في كل الجهات» ص 30
«يلبس الرجال ثيابا ملونة بالأصفر والأحمر كثياب النساء، وتلبس النساء ثيابها العادية ذات الألوان الصارخة»ص31
«توضأ أمام خلوته، جلس القرفصاء على مصلاه بعد أن صلى ركعتي الخوف....»ص35
 بلاغة النص
كما قرأت؛ «البليغ»، هو الشخص القادر على الإقناع والتأثير بواسطة كلامه وأدائه. فالبلاغة في اللغة العربية تدل على إيصال معنى الخطاب كاملاً إلى المتلقي.
وهنا نجد تلبو يدمج الواقعية بالتعبيرية في الجملة نفسها، بقوله:
 «رتْقُ ثقوب الدراجات، ومعالجة الثقوب الكبيرة في قلوب المشردين.»
 مبالغة في القول
هناك فرق ما بين البلاغة والمبالغة، إذ نجد السارد هنا يبالغ وهو يسرد تفاصيل، التفاصيل»
«كان الكوخ قد اتسع ليحوي القرية بغاباتها المجاورة» ص 31
«الفقاعات أصبحت بحجم بطيخة..إلى أن أصبحت بحجم حبة قرع...»ص39
 انزياحات شعرية
وفي الرواية انزياحات شعرية كثيرة، كقوله، ص.19:
«سوف يكون رجلا عظيما، اذا ما تركته التماسيح البشرية ينمو كشجرة ظليلة فوق رؤوس الفقراء»
وفي ص38 يقول» أصبحت الفقاقيع تنزل كالمطر، وتحترق بذات السرعة..لم يسفر احتراق الفقاقيع بالهواء عن أية سيول.»
 تداخل الأجناس في هذه الرواية
نجد هنا تداخل أجناس أدبية ككل ما ذكرته من عناوين هنا،، تضمين الرواية للقصص والشعر، كإدخاله أشعاراً مباشرة لزكين الذي يقول:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
وأشعارا عامية كأنشودة التسول ص124:
يا ربي مولانا....السامي ذو الهنا..يا رحمن ارحمنا..ارحمنا بالجنة..والجنة بحواريها...محمد ساكن فيها...يا امي ام الفقرا...الله يخلي لك البقرة...والناقة والسخلة..لا اله الا الله...
 إنسانية ومساواة
وهو يستغل السرد الروائي ليبث أفكاره التحررية الإنسانية المساوية بين الرجل والمرأة، إذ يقول:
«لماذا تكرهون الأنثى وتعتبرونها عاراً، وقد أتيتم من رحمها»؟ وقوله:هل تعتقد أن الرقص حرام؟ الرقص طهارة للجسد من دنس الكسل.أليس العالم أكثر بهجة لو اعتمدنا أدب الغناء مسارا للتربية؟»
 الرواية الوطنية
لم ينس تلبو التطرق لبشاعة المستعمر الفرنسي في افريقيا كلها وليس في قُطر بعينه إذ قال ص50: «كانت والدته تسرد له مرارة الانهزام أمام النصارى، بعد إقدام الفرنسيين على اقتياد أربعمائة عالِم إلى العاصمة فورلامي، وإعدامهم ذبحا بالكورلامي (الساطور).»
وعن سيرة عماد القوني يقول السارد أنه بعد ست إناث جاء القوني باحش الخلا مولوداً ذكراً، اسماه مهدي..بعد سنته الرابعة كان الطفل مرحا لكنه على خُلُقٍ سمج مع كبار القرية..وبعد أن أكمل سنته السادسة أصبح ينادي الكبار بألقابهم التي يكرهونها..فيكظمون غيظهم لمكانة والد الصبي..رغم أن واحدهم يستطيع أن يطالب الأب بدفع شاة كتعويض لما لحق به من أذى..ولكنه القوني باحش الخلا! إلى أن حدث أمر جلل، إذ قام مهدي ابن القوني باحش الخلا ابن الثمان سنوات بقتل آدم ابن العشرين سنة..وفي الصلح قرر القضاء العشائري ان يدفع باحش الخلا لأهل المتوفى آدم ست بقرات ، خضع باحش الخلا لتقديمها، ولكن شفاعات شعبية القوني جعلتهم يخفضون العدد إلى ثلاث بقرات سمان. بينما هرب مهدي الذي أرسل أبوه من جماعته من يحضره ، فجاءوا به مخفوراً ، فحمله أبوه خلفه على فرسه، وخرج به في الأدغال، بينما أمه وأخواته الست ينفجرن بالعويل...وفي تلك الفيافي والقفار تجد الأرواح والأشباح تحوم حولهم ، لقوله ص72: «وفي طريقه الموحش البعيد فاجأته حيوانات من ذوات الأرجل الثلاث، تحوم بفوضى حول دابتهم..كانت غريبة عوراء تجري متعجلة وهي تعوي كعجل ضل طريقه إلى خلية نحل، عينها الواحدة لها ضوء. ما هي علاقة مهدي بعماد القوني، بباحش الخلا؟ ما هي أسباب الحرب الأهلية في جنوب السودان؟ وكيف كانت ملامحها؟ لا أريد إكمال سرد الرواية حتى لا أضيع عليكم متعة قراءتها.
ورغم التشويق العالي في الرواية، لكنني لا أستطيع إنهاء حديثي قبل أن أقول إن الروائي أو دار النشر أو كليهما سجلا أخطاء قواعدية كثيرة لا يمكن تعدادها، ولا يمكن التغاضي عن ذكرها، نظراً لكثرتها.. وإذا كان الروائي غير خبير بالنشر في روايته الأولى، فعلى دار النشر التي تحترم نفسها، أن تدقق في لغوية الرواية، وذلك على الأقل قبل إصدارها تحت اسمها، ونشرها للملأ.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش