الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ليــس الخريـفُ دائمًــا.. ولا الربيــع محــالٌ!

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً

  ميار دناوي
 لِمن أخبرني يوماً بِألّا أخفي مشاعري كي لا اؤذي نفسي، بِألّا أصل إلى مرحلةٍ مأساويةٍ مع نفسي لِأجل سلامة الآخرين، ألّا أنهك نفسي بالتحامل كي لا أنهار أمام أحدهم، ألّا أقسو على نفسي وأنا أتظاهر بالسعادة، و أن أكون رحيمة مع نفسي و أتحمل ما بوسعي فقط.
إليك الجواب:
بل يجدر بنا إخفاء ما نشعر عن الآخرين، أن نترك بلاد الآلام تحترق بصمت بداخلنا بدل أن يؤججها أحدهم بمواساته ببضع كلماتٍ منمقة ولطيفة يحفظها عن ظهر قلب، فشظايا تلك الحرائق لن تخترق قلبك وتصيب قلبه، بل ستتخبط بداخلك إلى أن تحال إلى رماد ٍتذروه الرياح مخلفة وراءها آلاف الندب العميقة.
ليست مشقةً كبيرة أن تبرهن ما لا تشعر به، كل ما عليك هو أن تثبت أطرافك بحركةٍ تدعي بها الاهتمام، و أن يكون وجهك هادئا ولا يفصح عن شيء، تماماً مثل بلادٍ تشتعل بالثورات لكنها صامتة على الخريطة.
وتلك المرحلة المأساوية مع أنفسنا من أجل سلامة الآخرين كانت ستكون كارثية لو أخبرناهم بما يعتمر من الخراب في أفئدتنا.
لربما لم تجد الرحمة مع أنفسنا سوى أنها منحتنا المزيد من العثرات وبتنا رقيقي القلب ضعافاً، وريح الحياة أثبتت أننا أهش مما نعتقد. لربما يجدر بنا أن نكون جزارين بل وسفاحين أيضاً، نسفك دماءنا الحارة على أيدينا لندرك دوماً أننا لسنا ملائكة ولا تليق الرحمة بنفوسنا مع إدراكنا بِأن « لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» ، وأثمنا حين ظننا بِأن لا طاقة لنا بِما حُملنا، ولم نعلم حينها بِأن الله يزيد حِمل قلوبنا قبل كاهلينا ليزيدنا قوةً من بعد قوة.
لم ندرك بعد بِأننا بذور، كلما اندثرنا واندفنا إلى عمق ما أنبتنا مقداره أضعافاً. يمرنا الخريف كل عام بموعده، نضعف، نهزل، نمرض، نتساقط، واضعين الموت نصب أعيننا، متيقنين عين اليقين أنها النهاية، ثم قطرة ماء، اثنتان، الثالثة، ومطر غزير، غُسِلت أرواحنا مِن غُبار الفواجع وذهب شُؤم الموت في سيول النسيان، ثم ماذا؟ أشرقت الشمس، وتلاشت العواصف، وتبخرت الأمطار إلا من رائحة التراب، إذاً هل أتى الربيع؟!
ستتفاجأ بكم الابتسامات التي تحملها في جعبتك، تلك الباردة، والتي للمجاملة، وهذه للتحية، والأخرى لعابر الطريق الذي أردت التصدق إليه، وجميعها تخفي وراءها بلاداً من الخراب والتعب، ولكن تبقى هناك ابتسامة واحدة تحتفظ برونقها دوماً، تشعر بِأن قلبك يبتسم بها قبل مَبسمِك، وتربك النبض بداخلك، تلك هي التي تستحق أن تشعر بها دوماً.
يمكنك تبادل الهموم مع نفسك، وأن ترهِق بها فكرك قبل النوم، وأن تتشارك أنت ووسادتك بالدموع الحارقة، وقد تغفو وأنت تحتضن خيبة أملك، ولكن ما إن تستيقظ سترى بِأنّ الدموع ابتلعتها وسادتك بصمت، وخيبة أملك اتركها نائمة ودثرها جيداً، وابتسم كما و أنك لم تعرف للهموم سبيلا، وانطلق لِتُقابل العالم بِذات الابتسامة، ودع ما بداخلك يبقى خلف أسوارك المنيعة دون أن تحدِث بها ثغراتٍ قد تتسلل منها إحدى خيبات الأمل إليك.
أزهر في ربيعك بقدر ما أسقطه الخريف منك، فلا خريفٌ دائم ولا الربيع محالٌ.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش