الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خصوصية الإشارات العرفانية في ديوان «شهيدها» لعقيل الساعدي

تم نشره في الجمعة 4 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً
ميسون طه النوباني




الشعر فانوس يضيءُ به الشاعرُ على زاويةٍ معينةٍ من زوايا الحياة الكثيرة والمتشعبة، وفي كثير من الأحيان يستطيع الشاعرُ أن يضيء كثيرا من الزوايا المعتمة وأن يخترقَ جدران الألم ليصل إلى الإنسانية الحالمة والروح النقية.
وفي ديوان «شهيدها» للشاعر العراقي عقيل الساعدي يستطيع المتلقي أن يجد ذاته المتعبة أو العاشقة أو النافذة إلى عوالم الروح بسلاسة لغوية فيها من موسيقى الشعر ما يتوق له القارئ.
لقد أتى اسم الديوان من كلمة واحدة فقط وهي (شهيدها) والقارئ المتمعنُ في هذه الكلمة لا يفوته أن ينتبه إلى أنَّ الشاعر لا يسهبُ كثيرا في البحثِ عن دلالاته، فهو يختصرُ المسافة نحو المعنى بما يكفي لترسيخه. ثم إن هذا العنوان يصلُ بالقارئ إلى أنَّ الشاعرَ لا يؤمن بالنهاياتِ المطلقة بل يجنحُ إلى النهاية النسبية غير المنتمية إلى سياقٍ بعينه. فالشهادة قد تعني الموت وقد تعني الحياة.
لا بد للشعرِ من أن يتبنى قضيّةً بعينها، ولا بد له من أن يدعو لها وتتبلورُ هنا رؤيةُ الشاعر وقدرته على ترسيخ اللغة وصياغتها في قالبٍ يصل به إلى النافذةِ التي تطل على القلوب والعقول معا.
يقول رشيد المومني في مقالة له (في الحاجة إلى الرؤية الشعرية) في مجلة القدس العربي: «يمكن اعتبارُ الرؤية الشعرية تجاه الطبيعة والفن، بما هي رؤية جمالية وفكرية، للذات وللوجود، أحد أهم السبل التي يوظفها الكائن في تصالحه مع العالم، وفي تخفيفه من حدة شراسة اليومي وبؤسه، كما هي سبيله لتحجيم فاعلية المقولات العدمية، والممارسات الإقصائية، التي دأبت على حشره في زوايا اللاجدوى، كي يمارس حضوره، بعيدا عن أي تأطير تهجيني، يختزله في مجرد حشرة مطاردة بلعنة الخطيئة».
فالشاعر يتجردُ من الواقعِ ليستعمل مفردات الطبيعة التي تخرجُ عن صممها المعتاد ليتكلم كل جزء فيها ويخلق ما يريده الشاعر أن يكون، أما رؤية شاعرنا فهي تتجاوز الزمن وحدود الجغرافيا لتنهضَ بالقارئ إلى تعميقِ فكرة المحبة وتتويج العشقِ على أنه سفير الأمل والحياة والروح إلى كل البشرية:
«لا تقطفِ الزهرَ، واجعلْ عطرهُ وطنًا/ لمْ ينحنِ الزهرُ في البستانِ بلْ صَلَّى/ ونغرسُ الشجرَ المعطاءَ تزكيةً/ ما ملَّ ساعدُنا يَوْما ولا كَلَّا/ ونعزفُ الأَمَلَ الوضّاحَ/ أغنيةً نسيرُ فِي رَكْبِهِ إِنْ غابَ أَوْ حَلّا/ أَهْدَيْتُ ُروحِيْ، وَقَلْبِي الصَّب فَاتِنَتي/ مَا ضَرَّ عَقْلِيْ وَإِنْ ظنّوهُ مُخْتَلّا».
ومن يدعو إلى المحبة والسلام لكل البشرية يدعو إلى التطرفِ في العشقِ، وهذا هو التطرفُ الأجمل والفكرةُ الأكثرُ انصياعا للقلب، والهروب من العقلانية التي برأي الشاعر يحسده كثيرٌ من العقلاء عليها:
«إِنَّ التَّطَرُّفَ فِي عِشْقِ المها سَكَرٌ/ لن يعشقَ الخَمْرَ مَنْ تَفْكيرهُ الوَسَطُ/ قَالُوا عَلِيلًا ودَاءُ العِشْقِ قَاتِلُهُ/ لَكِنَّ مِنْ صابَهمْ دَاءُ الهَوَى غُبِطوا».
لا بد للقارئ في ديوان (شهيدها) من أن يرى تعدد الإشارات الصوفية وتكرارها:
«من بعدما فقدَ الأمانَ بغصنهِ/ خوفاً إلى غدر الزمانِ يسافرُ/ ويعيش في الترحال يصحبهُ النوى/ يبقى وإِنْ سكن الجبال يحاذرُ/ في القلب والآفاق أنوارٌ وما/ كُشفَتْ لغير العارفين سرائرُ/ لو شئت أن تدري مكامنَ حزنه/ فاسمع أنينا قد رواه الشاعرُ».   
ونقلا عن مقالة الدكتور شفيق النوباني في الأدب الصوفي: «ويطمح العرفانيون إلى التوفيق بين الديانات جميعها والكشف عن معناها العميق بواسطة معرفة باطنية وكاملة لأمور الدين تلقن عن طريق التدريب وإعطاء القدوة وقد اعتبرت التيارات العرفانية في أوروبا حركات دينية مبتدعة ومنحرفة ومنبثقة من داخل المسيحية. غير أن الدراسات الحديثة أوضحت بما لا يقبل الشك أن العرفان وجد قبل المسيحية ذاتها، وأنه يرقى إلى القرن الأول والثاني قبل الميلاد».
وما يلفت في هذه الإشارات الصوفية أنها جاءت في كثير من الأحيان غير مباشرة بل بالإيحاء وهذا بما لا يترك مجالا للشك بأن الشاعرَ يبثُّ روح السلام والمحبة في جميع قصائد الديوان:
«دُونَهَا الشِّعْرُ سَيَبْدُو زَلَّةً/ إِنَّهَا حَرْفُ الحَديثِ القُدُسي/ غَرَّدَتْ كَالطَّيْرِ أَلْحَانًا بِهَا/ تعْشَقُ الآذَانُ دَقَّ الجَرَسِ».
ولا يخلو ديوان (شهيدها) من القصائد التقليدية التي تدعو إلى النصح المباشر والدعوة المباشرة إلى الالتزام بالدين والأخلاق والصلاة والصوم مستحضرا كلَّ ألفاظ التسبيح والطاعة واللحد والدنيا وهجر الملذات بما يشير إلى البساطة والروح المتدينة  بمعناها الديني البسيط والذي لا يرقى في كثير من الأحيان إلى التصوف ومما لا شكَّ فيه أن الشاعر تأثر تأثرا مباشرا بديوان علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«أَلْفُ شَهْرٍ قَصُرَتْ عَنْ لَيْلَةٍ/ فَاغْتَنِمْ مِنْ خَيْرِها مُسْتَبْشِرا/ إِذْ بها أرزاقُنا قدْ قُدِّرتْ/ فاشكرِ اللّهَ على ما قدّرا/ كلُّ ظنِّي عندما الفجرُ بدا/ سوء ذنبي مِنْ كتابي غُفرا/ من سواهُ خالقي يرحمني/ وختامُ العمرِ لحْدٌ في الثرى».
أما الوطن في ديوان (شهيدها) فيتعدى حدود الأرض والمكان ليصبح روحا تتنقلُ في أرجاء الوجعِ العراقي الذي ينتمي له الشاعر في الأصل فيصطاده حزنا خلف حزن ووجعا خلف وجع ولا يفوته أن يصل إلى عمقٍ آخر من أعماق الوطن وهو الوجع الفلسطيني الذي لا يستطيع الشاعر الإفلات منه فيصطاده اصطيادا لتذهب القصيدة مرغمةً إلى مآذن القدس وشوارعها وهذا ما أسميه متلازمة الوطن في الديوان وهو القدس والعراق وما يصير إليه الشعر من حزن قد لا يستطيع شاعر حقيقي الانتماء وأصيل الروح أن يفلت منهما:
« سبعون عاما بلا غيث ولا قمرٍ/ دنونَ منّيْ بلا رؤيا وتأويلِ/ ظننتُ أنَّ نجومَ الكونِ لي سجدتْ/ فصرتُ أمسحُ شبّاكي بمنديلي/ رأيتهمْ يرسمونَ الذلَّ في فرحٍ/ والقدسُ قد خُطفتْ من غيرِ تعليلِ/ لم يبقَ في زهرةِ الرمانِ رونقُها/ والحقلُ يسرِقهُ صوتُ الأباطيلِ».
أما القصيدة التي تجلت فيها أعلى درجات التصوف في الديوان فهي التي حملت اسمه (شهيدها) قصيدة تستنطقُ الفرحَ على لسان العشق لتحلق في سماء الروح وتعتلي عرشَ المحبةِ والتطرفِ للجمال والطبيعةِ مستعملة بعض الإشارات الخاصة والتي تحققُ جملةً من الرموزِ الهادفةِ إلى اختصار حالة الحبيب بالتضحية والتطرُّفِ للحب: 
«يا نائحَ الوجدِ هلْ غسّلتَ من ذُبحا ؟/ دمٌ طهورٌ بلا ذنبٍ لهُ سُفحا/ ما زالَ غضّا بصيرًا لا يرى حجبا/ وقلبُه في بحار العشقِ ما سَبحا».
الحب الذي فضح لدى القصيدة كل أسرار وجودِ الناس فسار بالشاعر إلى ترتيل ما كان مبهما فصار طيرا لا يرى إلا الجمال ولا يعتنق إلا المحبة المطلقة لكل الوجود حتى وصل إلى تقبيل الأرواح وهذا لا يخفي حزنا شفيفا حصده الشاعر إثر البعد عن المحبوب:
«يدنو لبحر الهوى والصمتُ ديدنهُ/ وحسنُهُ بسوادِ الليلة اتشحا»
وتقودنا هذه القصيدة إلى مقارنة بسيطة بينها وبين القصائد التي تدعو إلى الابتهال والنجاة من الدنيا وبينها لنرى أن الشاعر هنا قد نال الرضا عن الدنيا بالحب بعدما هجرها ودعا إلى هجرها. ولا يفوتني التنبيه إلى أن الحالة التي تسيطر على الشاعر في كلتا القصيدتين هي حالة العشق الإلهي ولكنه عبر في الأولى عن طريق الاسترسال في نصح القارئ ليخرجَ به من حالته هو النافرة من الدنيا وأحوالها ويعود في قصيدة شهيدها لينفرَ من الواقع هاربا إلى الذات الإلهية بكل قربها واقترانها بالإنسانية والحب والجمال:
«لا تشكُ نار غرام رغم لوعتها/ خمر الجمال بكاساتِ اللظى منحا/ نادم حبيبك لا تسمع لمن جَحدوا/ من ضيّع الحب في دنياه ما ربحا/ واسعدْ بولفك والثمْ ثغرهُ سَكَر/ إنَّ الرؤوفَ عن المجنون قد صفحا/ وعفوهُ ماحقٌ للذنبِ غافرهُ/ كالموْجِ كرَّ على الشطآن ِ مكتسحا/ سنابل الجود قالت وهي باسمة/ بالحبِّ دارت على قمح الفقير رحى/ بالحب نجعلُ ثغر الأرضِ مبتسما/ ووجهها برداء النور متشحا».
هذا الديوان يأتي نتاجا لتجربة شعرية رائدة يتضح فيها الجمال والسعي الدؤوب نحو الأجمل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش