الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فواتير

تم نشره في الجمعة 4 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً
موسى إبراهيم أبو رياش



اِلتقيا فجأة في طابور دفع فواتير الكهرباء، بعد فراق ثلاثين عامًا على الأقل، تبادلا الأشواق والسؤال عن الصحة والعائلة والأحوال، والتذمر لاضطرارهما دفع الفواتير، وتحمل مشقة الطوابير، فيما أولادهما مشغولون بزوجاتهم وأطفالهم وأعمالهم، معيبين على هذا الجيل عدم تقديره للكبار، واستهتاره بالقيم التي كانت تحكم مجتمعهم من قبل.
وبعد دفع الفواتير، جلسا في مقهى قريب من مقاهي الزمن القديم، الذي ما زال يقدم خدماته البسيطة المتواضعة في جو أسري شعبي. استعادا ذكريات العمل معًا معلمين في مدرسة إحدى القرى النائية، التي كانت من أجمل أيام العمر، فقد كانا في ريعان الشباب، وقمة النشاط والحيوية، وبداية الحياة العملية. ثم فرقتهما الحياة، وانتقل كل منهما إلى مدرسة في المدينة، وبعد سنوات غادر كل منهما إلى بلد خليجي بحثًا عن فرص أفضل. ولما أنهكتهما الحياة، وخذلهما العمر، وآن أن يدفعا فواتير ما مضى من رغد وبحبوحة، عادا إلى مدينتهما، يحملان شقاء العمر من نقود ومتاع في كفة، ووهن الجسد وكومة أمراض في الكفة الأخرى.
تبادلا الأخبار وأسماء الزملاء، مَنْ مات منهم، ومَنْ بقي على قيد الحياة. مَنْ ارتفعت مناصبه، ومَنْ بقي كما هو يكافح من أجل عيش كريم. واستذكرا زملاء قعدت بهم الأمراض، فلزموا بيوتهم، وقد هجرهم الجميع، إلا من قلة تتذكرهم بين مناسبة وأخرى بمكالمة هاتفية أو رسالة قصيرة.
ضحكا كثيرًا عندما استذكرا مقالب بعض الزملاء وقفشاتهم وحيلهم، وسذاجة الزملاء الجدد وسهولة خداعهم والتلاعب بهم. وسالت دموعهما عندما عاد بهما شريط الذكريات، وتوقف عند وفاة مدير المدرسة، وهو على رأس عمله؛ إثر جلطة لم تمهله، فقد كان مديرًا إنسانًا، لم يخذل معلميه يومًا، ولم يتهاون في حق طلبته. كان جدارًا صلبًا أمام أي ظلم أو إساءة لأي كان في مدرسته. خرجت القرية عن بكرة أبيها في جنازته تودع ابنها الكبير، تؤازرها القرى المجاورة، فقد كانت سمعته تملأ آفاق القرى، كإنسان رائع، ومدير قائد، ومسؤول حكيم.
شربا الشاي المُحلى، على الرغم من أنف مرض السكري الذي يعانيان منه، فهي مناسية تستحق الاحتفاء، وتجاوز القيود، ثم تنازعا مَنْ سيدفع ثمن الشاي، فارتفع صوت معلم المقهى: الحساب علينا يا أساتذتنا، شرفتمونا وآنستمونا.
شكراه بلسان غلبه الحياء، وانتبها إلى أن أنظار جميع رواد المقهى موجهة إليهما، وهم يبتسمون بلطف.غادرا المقهى، وهما يشكران فواتير الكهرباء التي جمعتهم بعد هذا الفراق الطويل، هذه الفواتير التي أكد كل منهما أنه يُصرُّ أن يقوم بدفعها كل شهر، على الرغم من إلحاح أولادهما أن يدفعاها هم، فقد كانت فرصة لهما للخروج ومخالطة الناس والتجول في الأسواق وتغيير الجو. تبادلا أرقام الهواتف، واتفقا أن يلتقيا كل شهر في يوم محدد وساعة محددة في هذا المقهى بعد دفع فواتير الكهرباء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش