الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«دونه الرقاب»..

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً
بشار جرار

حدثنا الأستاذ الدكتور رجائي خانجي المختص بعلم اللغويات في كلية الآداب بالجامعة الأردنية يوما عن عظمة الأفراد والشعوب في استحداث وتطوير وتكييف مفرداتها مع تطور متطلبات الحياة ومقتضيات العصر.
العجب العجاب أن بعضًا من إخوتي في المواطنة أو العقيدة أو الأيدولوجية تنطبق على ما ينطقون تلك «القفشة» المصرية الكوميدية: أي كلام يا «عب السلام» الدال تحذف من باب تفادي التكرار وصعوبة اللفظ على البعض في حال الإسراع في المناداة. فالبعض يطلق الكلام على عواهنه دونما أي تقدير لعواقب الأمور في استهانة تصل إلى حد الرعونة.
من هنا يحذر الكثير من الإعلاميين من «الارتجال» على أهمية العفوية في الوصول إلى الناس والتأثير عليهم. هذه ظاهرة عالمية لم تنحصر في زمن أو ثقافة، لكن اللغات التي تعلي من شأن الجناس والطباق والنعوت وغيرها من المحسنات اللفظية، كلغتنا المجيدة، شكلت خطرا إضافيا على سلاح العفوية والتدفق في المشاعر والأفكار.
ما عادت «الأرض تتكلم عربي» وصار إخوتنا المصريون أصحاب أكثر لجهات العرب انتشارا يكثرون من استخدام «البتاع» كلما غابت عن المتحدث مفردة أو أراد تغييبها. لا يظنّن أحد أن المشكلة مصرية او عربية لأنها في ظل العولمة مشكلة عالمية حيث أن مرادف كلمة «البتاع» في اللغة الأميركية المحكية هي «لايك» بمعنى التشبيه وهي ظاهرة تقلق الأهالي والمعنيين بالتربية والتعليم في أميركا وتؤشر إلى ضحالة مرعبة في حصيلة المفردات وبالتالي المعاني التي يملكها الفرد الأمر الذي يؤدي إلى الحد من قدرته على الاتصال والتواصل مع النفس ومع الآخر أيضا.
كثيرا ما تأملت بالنص القرآني «وعلّم آدم الأسماء كلها». الإشارة اللطيفة التي يحملها الذكر الحكيم في هذه الآية، هي تأكيد أهمية الكلمة وارتباطها العضوي بالمفردات والمعاني التي تشكل وعي الإنسان أفرادا وجماعات. لكن بعد الناس عن النصوص المقدسة والمعاني الرصينة لأسباب شتى انتهى بوباء اتصالي إن جاز التعبير. وباء لا وطن ولا دين له تماما كما الجهل والجريمة والإرهاب.
لكن الخطر يصبح أكثر إمعانا في الضرر والإيذاء عندما يتمكن المتحدث أو الخطيب من إخفاء ما يريد من كلمات ومعان وسط أمطار طوفانية عاصفة من الكلام الطنان الرنان.
وكما أحسن أحدهم يوما عندما قال إن المؤثرات الصوتية والموسيقية التي يتم توظيفها في الرسائل الخطابية الدعائية سواء أكانت سياسية، وطنية أم دينية، تعمل عمل السحر في إضفاء المصداقية والهالة على ما ومن لا يستحق. ضخامة الصوت ورجع الصدى والناي الحزين والأغاني العاطفية الحماسية أو الحزينة تتحمل مسؤولية كثير مما نحن فيه عالميا وليس محليا فقط.
صحيح أن الديماغوغ لا تتبعه إلا الغوغاء، لكن تطور وسائل المعرفة والاتصال والتواصل في عالم اليوم جعل من أولئك المتلاعبين بمشاعر وأفكار الناس أصناما وأشباه آلهة يتبعها الناس كافة وليس «الغاوين» وحدهم!
كثرت في الآونة الأخيرة الثرثرة والجعجعة فكادت تحدث فتنة، نحمد الله على الحكماء بين ظهرانينا الذين يميتون الباطل بتجاهله ويطفئون النار بتركها تأكل نفسها. لكن تهافت المتهافتين على إشاعة تطاول المتطاولين وافتراء المفترين قد يشير إلى ضرورة الاعتبار بأن النار تنشب من «مستصغر الشرر». ففي حالة معينة في ظروف محددة، يتطلب الأمر إعادة النظر دفعا للخطر.
بطبيعة الحال، الرد كما القوة ينبغي له أن يكون مناسبا لما استوجب الرد. البعض قد يفهم بالتلميح «فاللبيب من الإشارة يفهم»، لكن البعض الآخر إما غافل أو جاهل أو مغرض حاسد أو جاحد. لمثل أولئك ينبغي أن يقوم الكاتب والإعلامي والتربوي ورجل الدين بما يوازي ما يقوم به رجل الجيش والأمن والطبيب. «آخر العلاج الكيّ» لكن أول العلاج بعد الوقاية قد يتطلب تدخلا جراحيا لاستئصال العلة.
لن تفيدنا كل شهادات «حسن السيرة والسلوك» العالمية، إن ضاعت مفردات الوطن ومعانيه لا قدّر الله. قد آن الأوان ليقول البعض خيرا أو يصمت. فهذا الكم الجنوني الشيطاني من الإشاعات والمثبطات والمحبطات لن ينتهي إلا بحلين: إما إضاعة الإمكانات والجهد والوقت في الرد على كل منها، وإما التعامل الناعم و-الخشن إن لزم الأمر- مع مايسترو الجوقة: يتعين تفعيل القانون لسحب زمرة تلك «الجوقة» فردا فردا كائنا من كان في الوطن أو ما هو في متناول فرسان الوطن.. أو -وهو ما أراه الأجدى- فضح المايسترو أمام الرأي العام حتى يتحمل الجميع المسؤولية. فالمستهدف واضح و»دونه الرقاب»..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش