الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا شيء يحدث الآن.. لا شيء يحدث البتّة

تم نشره في الجمعة 11 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً


محمد عارف مشّه

كأسد هرم اجتثت أسنانه، زأرت الحافلة من بوقها عدة مرات ثم تمايلت ذات اليمين وذات الشمال وهوت صامتة. تدافع الركاب نحو الحافلة بأجسادهم وأكتافهم الحبلى بالعضلات والبطون المنتفخة إلا من تلك الصبية التي ظلّت واقفة ترقب الحافلة بنظرة وتنظر نحو ساعة معصمها بنظرات متحسرة على وقت يمر سريعا ولا حافلة فارغة تجيء إلا من طيف رجل بثياب مهلهلة وشعر لحية كثيف يصرخ : لا شيء يحدث الآن. لا شيء يحدث البتّة.
مرات عديدة بصق نحوها الرجل المهلهل. ومرات كثيرة مسحت بصاقه عن وجهها وتذكّرت أفواها تنتظر قدومها كل مساء.
الوقت يهرول مسرعا كما العمر. والنظرات الجائعة تلتهم. تتلمظ. تمضغ. تتجشأ برائحة بصل عفن وكلمة مطلّقة. دائما هي الكلمة التي تكره نفسها المرأة كلما تقدمت لطلب وظيفة والسؤال المقيت : الحالة الاجتماعية فيصيبها المقت، الحزن، القهر، الاحباط وتكتب (مطلّقة) فتلتهما عين جائعة. تنظر لكافة التفاصيل. وعليها أن تطأطئ برأسها خجلة وتترك له مجالا من الوقت ومزيدا من الالتهام والمضغ والنظر ثانية. كم أتمنى صفعك يا هذا. ركلك. البصاق نحوك. فعل أي شيء يخلصني من كل هذا القمع والظلم والاضطهاد.
تزوجي يصرخ أخوها الكبير.
أتركي اولادك لأبيهم وتزوجي.
الحي أبقى من الميت.
لن نسمح لك بالعمل.
العمل. العمل. العمل..... تبا لكم وللعمل وللزواج الذي مضى وللزواج القادم ول...
أدفعي الأجرة. قال (كنترول الحافلة) آمرا بلهجة تهكمية وعيناه لم ترتفع عن صدر الفتاة. مدّت يدها صوب حقيبة اليد. فتحت الحقيبة. صعقت. ذهلت. صرخت عيناها. ارتبكت يداها. ولا نقود في الحقيبة.
كلكن هكذا قال (كنترول الحافلة) هازئا وفي عينيه كلمات أخرى أكثر ألما. وأضاف : إنزلي من الحافلة. طأطأت الفتاة عينيها قهرا. أخفت دمعة. أغلقت حقيبتها. طرق (كنترول الحافلة) بيده جدار الحافلة فأزت عظام الحافلة وتمايلت. زأر بوقها. توقفت. نهضت الفتاة من مقعدها. أصابها دوار. حاولت أن تتماسك. مدّت يدها نحو جدار الحافلة خوفا من سقوط. تابعت سيرها بخطوات مثقلة بالحزن. وصلت باب الحافلة. تعثرت. سقطت أرضا. بان جوربها وجزءا من ساقيها. زأرت عيون الرجال الجائعة لجورب أنثى وصرخت العيون الجالسة في مقاعدها : الله يستر علينا وعلى أعراضنا. كبرت البطون وانتفخت الأنوف متلذذة برائحة امرأة سقطت أرضا وبان جزء من ساقيها. صرخ الرجل المهلهل: لا شيء يحدث الآن. لا شيء يحدث البتّة. ثم اختفى.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش