الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سيميائيّة عنوان «أحلام ورقيّة» للشاعر ناصر شبانة

تم نشره في الجمعة 11 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً

محمد درويش عواد
يتمتّع الشاعر ناصر شبانة بحضور بارز في الوسطين الأردنيّ والعربيّ؛ فهو الأكاديميّ والناقد والشاعر المعروف، صاحب الدّراسات والمؤلفات النقديّة والشعريّة الهامّة، التي بوّأته مكانة مرموقة، نال على إثرها التقدير والتكريم من الأوساط الثقافيّة الأردنيّة والعربيّة، كان آخرها فوز ديوانه (أحلام ورقيّة) بجائزة حبيب الزيودي، التي أطلقتها رابطة الكتّاب الأردنيين.
يشكّل العنوان عتبة من عتبات النصّ، ومفتاحاً من مفاتيحه الهامّة، وهوالرسالة الأولى التي تصلنا ونتلقّاها من الكاتب، وهو مجموعة من الوحدات اللسانيّة المتعالقة والقابلة للتحليل. وبناء على هذا يمكننا تحليل عنوان القصيدة (أحلام ورقيّة) على عدّة مستويات:
1) المستوى النحوي:
ينتمي العنوان في مستواه النحوي إلى النمط الاسمي؛ حيث يتّضح ذلك من خلال الصيغة الاسمية له، وابتدائه بمفردة (أحلام) التي هي اسم نكرة وخبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه)، ومن الصفة (ورقيّة)، والتي حدّدت لنا نوع الأحلام.
2) المستوى الدّلالي:
في هذا المستوى من دراسة العنوان يمكننا أن نتعرّف على دلالة العنوان، أو على الأقلّ المعنى الظاهريّ له، حيث إنّ بنية العنوان تُعطينا تصوّراً عن النصّ، فكلمة (أحلام) تدلّ من الجانب الصرفيّ على جمع تكسير، مفردها حلم وهو ما يراه النائم في نومه، ولكنّ هذه الأحلام خرجت من ذاتيّة الشاعر من نومه لتسكن أوراقه، وهي بهذا صارت ملكاً لكلّ من يقرؤها، لعلّ أحداً منهم يحاول تحقيقها للشاعر/ الإنسان.
دلالة العنوان في النصّ (العنوان والنصّ):
إذا تأمّلنا هذه القصيدة فسنجد أنّها القصيدة المركزيّة للديوان ؛ حيث حمل عنوان هذه القصيدة عنوان الديوان بكامله، وإذا أنعمنا النظر في هذه الأحلام، بعد قراءة القصيدة كاملة، عرفنا أنّها أحلام غير مكتوبة على ورق كما فهمنا للوهلة الأولى، بل هي أحلام الطفولة في معانقة عنان السماء، بعيداً عن كلّ غدر وخيانة، وهذا ما جعلنا نعتبر العنوان عنواناً مخاتلاً؛ لأنّه ضلّلنا ووجّهنا وجهة غير التي فهمناها منه قبل قراءة القصيدة، وهذا ما جعله مكثّفاً مخبوءاً في دلالاته، ولذا أشركَنا الشاعر في أحلامه الورقيّة، وأجبرنا على متابعة رحلتها منذ البداية وكلّنا شوق للوصول معها حتى النّهاية.
منذ المقطع الأوّل في القصيدة يعرّفنا الشاعر على تلك الأحلام التي سكنت قلب طفل صغير صنع طائرته الورقيّة وأطلقها في الفضاء، وما من شكّ أنّ كلّ واحدٍ منّا قد صنع طائرته الورقيّة وأطلقها في عنان السماء، وراح يراقبها بقلب يمتزج فيه الفرح كلمّا علتْ، والخوف كلّما اقتربت من النزول أو علق بها شيء ما، وواضح من النصّ أنّ الشاعر يستذكر طفولته وطفولة كلّ واحد منّا، حيث (كان) فعل ماض ناقص، و(طفل صغير) تمثّل طفولة الشاعر، وطفولة كلّ واحد منّا، وما زال يعيشها كلّ أطفال اليوم، يقول:
(على بُعد خفقة قلب
ونافذة من قلق
كان هناك
طفل صغير
وطائرة من ورق)
يقدّم لنا الشاعر وصفاً دقيقاً لميلاد الطائرة الورقيّة على يدي الطفل، الذي بذل في صناعتها كلّ ما يملك من مال وجهد ووقت، وأودع فيها ذكرياته وأمنياته، ولهذا باتت جزءاً منه، من روحه وكيانه، لأنّها تُمثّل له كلّ ما يريد في هذه الحياة، لكن:
(وماذا لو أنّ يد الأرض
خانت
وأفلتت الخيط
ماذا لو الريح أيّتها النازفة
بالثمن البخس
باعتك للعاصفة
وألقتك عاصفة الليل
بين غصون الشجر
ممزّقة الوجه
مسفوحة الدمع عند الغسق)
تلك الأمنيات التي وضعها الصغير في طائرته الجميلة، ماذا لو أنّ يداً غادرة عبثتْ بها ؟ في تلك اللحظة لا يملك الشاعر إلا حزنه، ويقدّم مواساته لها (للطفل في داخله وداخلنا) ؛ لأنّ يد الأرض (يد الظلم والطغيان) أقوى من يد الشاعر/ الطفل:
(ماذا أقول إذاً
وبأيّ اللغات أواسيك
أيّ الدّموع ستبكيك
أي القصائد ترثيك
وقت الغرق)
لكنّ الشاعر يثق بدور الشعر في مساعدة تلك الطائرة المنكوبة، حيث جمع أشلائها الورقيّة من قِبَل شاعر يرجو منه ذلك، ليخبئ في ورقها الذابل قصائده ورؤاه،
(لعلّكِ أنت حبيبتُهُ
لعلّكِ أنتِ خطيئتُهُ
لعلّ أنتِ طريقتُهُ   
في الحياة..!!)
وبعد، فإنّ الشاعر ناصر شبانة، هو أوّل شاعر عربيّ – حسب ظني بعيدا عما غنّته فيروز – قد تناول في شعره أحلام الطفولة المبثوثة في الطائرة الورقيّة، تلك الطائرة التي حملتْ أحلامنا ذات يوم، وما زالت تحمل أحلام أطفالنا بالحبّ والحريّة والعيش بأمان، دون أنْ تعبث بها يد غادرة، حتى تظلّ طفولة بريئة، ينمو الحبّ في داخلها يوماً بعد يوم، حتى تغدو شجرة خير باسقة، ثمارها الخير والعطاء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش