الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«ترانسفير» زراعي هادئ في الأغوار الفلسطينية!

تم نشره في الاثنين 14 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً

جدعون ليفي
الأرض هنا تروي القصة. حقول الحبوب الملونة باللون الاخضر، الآن، على خلفية اللون البني الغامق للأرض الخصبة، جفاف الصيف الذي استبدل بوحل الشتاء. هذه الأرض فيها ندوب، فالحقول الرائعة تم دوسها بجنازير الدبابات، التي تحفر اخاديد بنية تجرح خضرة القمح والشعير وتدمر المحاصيل.
هذه حقول خربة ابزك، تجمعات رعاة تقع شمال تياسير في شمال غور الأردن، أراض خاصة يعيش فيها فلاحون فلسطينيون ورعاة بدو يربون الاغنام ويفلحون الارض التي تعود لسكان طوباس الواقعة على قمة الجبل.
إسرائيل، التي تضع عينيها على أراضي الغور وتعمل كل ما في وسعها من اجل إفراغها من سكانها الاصليين، اختارت التنكيل بالتجمعات الأضعف في البداية. رعاة الأغنام والفلاحين الذين استأجروا الاراضي، الفلسطينيون والبدو، هؤلاء يمكن طردهم من بيوتهم ومن أراضيهم، ولو بصورة مؤقتة من خلال التلويح بأمر عسكري في ظل الاحتياجات الأمنية وتدريبات وهمية لاخلائهم وطردهم المرة تلو الاخرى. هل قام الجيش الاسرائيلي في يوم ما باخلاء سكان بؤرة استيطانية من أجل أن تستطيع قواته التدرب في حقولها؟ هل كان هناك شخص ما خطر بباله اخلاء عشرات عائلات من المستوطنين ليوم وتركهم تحت قبة السماء الى أن تنتهي مناورة للجيش الاسرائيلي؟ هل سكان المستوطنات القريبة، بكعوت، مسخيوت، مخورا وروعي، اضطروا ذات يوم الى الخروج من بيوتهم ليوم واحد من اجل السماح لجنود الجيش بالتدرب على اراضيهم وعند عودتهم وجدوا بيوتهم دُمّرت بجنازير الدبابات؟ «الابرتهايد»، الذي يترسخ هنا، يبقي حقائق على الارض. ليس هناك مثل الغور من أجل إثبات وجوده الفظ، العنيف، الوقح والمتبجح، الذي لا يدع مجالا للشك أو النقاش حول وجود نظام «الابرتهايد». تجمع خربة ابزك هو مثل تجمع السود، مسموح أن نفعل به ما نشاء. اخلاؤهم من بيوتهم مع اطفالهم وشيوخهم بتعليمات من الضابط، والانقضاض على حقولهم وكأنها ارض لا صاحب لها. في الشهر الاخير تم أمر سكان خربة ابزك بترك الخيام 4 – 6 مرات، 13 عائلة، 70 نسمة، فيها 38 طفلا، طلب منهم النوم عدة ليال خارج بيوتهم في ايام 16 و23 و26 و31 كانون الاول. لعائلتين من الـ 13 عائلة تم تسليم اوامر اخرى لطردهم ايضا في 17 و18 من ذاك الشهر.
هذا الاسبوع وصلنا الى خربة ابزك في اليوم الذي فيه كان مخطط تنفيذ الاخلاء الأخير للعام 2018. في الليلة السابقة اتصل شخص باسم يغئال من الادارة المدنية، وأبلغ احد السكان بأن هذا الإخلاء تم الغاؤه، لكن ربما سيكون هناك اخلاء يوم الاحد القادم. مختار السكان البدو في المنطقة، عماد خروب تركمان، ظهر، هذا الاسبوع، ساخرا عندما جئنا الى خيمته الزرقاء والتي كتب عليها كلمة مختار.
ولكن السرور هنا لم يكن في أي يوم كامل. يخشى تركمان من احتمال أن بلاغ الإلغاء هو بلاغ كاذب، وأن الجنود سيحضرون لاخلائهم رغم ذلك. عدم اليقين كبير جدا هنا. مرت الساعات، الاثنين الماضي، والشمس كانت في أعلى السماء، ولم يظهر جنود الجيش في خط الأفق. الصور والافلام عن الاخلاءات السابقة، الاخيرة بينها الاسبوع الماضي التي وثقت من أحد باحثي «بتسيلم»، عارف ضراغمة، من سكان المنطقة، تروي القصة. السكان يظهرون فيها وهم يسيرون بصمت في طابور. جيبات الجيش والادارة المدنية يرافقونهم ويدفعونهم من الخلف كي لا يتملصوا، لا سمح الله. هذه صور ليس بالامكان أن لا تذكر بصور النكبة في العام 1948، النكبة التي لم تنته هنا في أي يوم.
أصل عائلة المختار تركمان من قرية قرب حيفا. في فيلم الفيديو عن الاخلاء الاخير تظهر المدرعات الاسرائيلية وهي تقتحم الحقول المزروعة لتجمع الرعاة وتدمرها تحت جنازيرها. الباحث ضراغمة قال إن تجمعات الرعاة في شمال الغور أمروا باخلاء خيامهم على الاقل مئة مرة في السنوات الخمس الاخيرة. الاخلاء القصير جدا كان لخمس ساعات والاطول 24 ساعة.
الطريق الوحيدة التي تؤدي الى هنا هي طريق ترابية طويلة ومتعرجة، تخرج من بلدة تياسير، هذه الطريق فيها الوحل وبرك مياه الامطار التي تجمعت، هذا الاسبوع، في عدة مقاطع منها وأصبحت موحلة. السكان بالتأكيد يخافون من الوصول الى هنا بسياراتهم؛ لأن رجال الادارة المدنية والجيش يمكن أن يصادروا سيارات التندر والجيبات مثلما حدث اكثر من مرة في السابق.
تركمان قال إن 13 تراكتور وسيارة تندر صودرت هنا في السنوات الاخيرة بذريعة أنها دخلت الى منطقة عسكرية مغلقة. بشكل عام هم يستعيدون سياراتهم بعد بضعة اشهر ودفع غرامة تتراوح بين 1500 – 2500 شيكل، لذلك هم يعيشون احيانا في عزلة كاملة، دون وجود أي وسيلة للمواصلات. المياه يجب عليهم احضارها بوساطة الصهاريج من مسافات بعيدة، ايضا الاتصال بالكهرباء غير موجود بالطبع، وفي ظل غياب وسائل المواصلات، كل رد في حالة الطوارئ لاخلاء مريض أو امرأة حامل من اجل الولادة تحول الى امر معقد. احيانا يخبئون التراكتورات بين الصخور حتى لا تصادر، احيانا يضعون مراقبين في الطريق من اجل التأكد من عدم وجود قوات الجيش أو رجال الادارة في المنطقة، وعندها يقومون بتهريب صهريج للمياه مجرور بوساطة التراكتور.
تركمان يجلس حافي القدمين في الخيمة، المدفأة بمدفأة حطب، تخرج منها المدخنة. أغنامه تقف مكتظة في الحظيرة المجاورة، عمره 42 سنة وهو أب لستة اولاد، ابنه البكر ارسله الى جنين للعمل في البناء، عائلته، قال، أخليت بصورة مؤقتة 40 مرة في السنوات الخمس الاخيرة.
المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي قال، هذا الاسبوع، للصحيفة إن الامر يتعلق بـ»منطقة تدريبات تابعة للجيش الاسرائيلي منذ سنوات كثيرة، وعند اعلانها منطقة عسكرية مغلقة لا يعيش فيها أحد». وجاء ايضا أنه في كانون الاول أجريت في المكان تدريبات بالنار الحية لغرض تأهيل الجيش الاسرائيلي وزيادة استعداده. ووفقا للاجراءات ومن اجل عدم تعريض حياة أحد للخطر من الاشخاص الذين اقتحموا منطقة النيران بصورة غير قانونية، أعطي انذار مسبق لمن يمكثون في منطقة النيران من اجل الخروج منها في الفترة الزمنية التي تجري فيها التدريبات.
«هآرتس»

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش