الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كرسي العناق

رمزي الغزوي

الخميس 24 كانون الثاني / يناير 2019.
عدد المقالات: 1846

كرسي العناق أشد ألماً وأكثر تعباً. هو بوصلة تؤشّر إلى أين انحدرت الإنسانية في جفافها العاطفي، وفي تصحر المشاعر وبرودها. فهل ثمة ألم أكبر من أن يكون الإنسان وحيداً، حتى وهو في صخب الناس، وألا ينال عناقاً واحداً حتى في يوم العناق العالمي.
مرّ حزيناً يوم العناق العالمي، في منتصف هذا الأسبوع، مرّ دون أن يلتفت الناس إلى أهمية الاحتضان، وإلى فيض المشاعر الوثيرة التي يناله الواحد حين يحظى بعناق. فالشعوب المغلفة بالتكتم العاطفي والتستر على المشاعر الإيجابية؛ تسقط دوما في مستنقع تعاسة لا متناهي.
حينما كتبت قبل أشهر في هذا المكان عن أن الطفل حسب رأي بعض علماء النفس يحتاج إلى 24 ضمة حضن في اليوم، بعث لي أحدهم قائلاً: يا زلمة، أي أنا ما (بعبطش) حالي أكثر من مرة باليوم، كيف بدك أعبط واحد من أولادي 24 مرة. الطريف أن ابني الشاب 13 سنة، وقد قرأ المقال، ما زال يطالبني يومياً بالنصاب الكامل من العناق المقرون بقول: إني أحبه، وما زلت أحبه، وأنه المفضل لدي.
صاحب فكرة يوم العناق رجل أمريكي قرر في الحادي والعشرين من يناير عام 1986 تشجيع الناس على معانقة بعضهم، حتى لو لم تكن بينهم معرفة مسبقة. فهو ينظم ضربات القلب، وضغط الدم، ويخفف من الإحباط، ويحث على الاسترخاء. فعند الاحتضان يفرز المخ هرمون «أوكسيتوسين» الذي يساهم في الشعور بالأمان، حيث تكفي سبع دقائق من العناق للإحساس بنشوة السعادة.
العناق لا يقتصر فقط على العلاقات العاطفية. فهو فعل صحي لجسد الإنسان. ولهذا قامت شركة أثاث كبرى عالمية بتصميم كرسي العناق بذراعين صوفيين وثيرين يمنح الشخص عناقاً مجانياً كلما أراد هذا. هذه الشركة أدركت كم أصبحنا وحيدين. وكم أصبحنا كراسي على قيد الابتعاد.
ثمة دعوة شرٍ يطلقها البدوي على من يكرهه؛ فيقول له: (من قلة المرة تعبط الشجرة يا البعيد). أي أن تصبح وحيداً بلا امرأة؛ فتحتضن شجرة. وبعيدا عن رؤيتي الخاصة للشجرة، وأنها قادرة على العناق وبث المشاعر. يبقى الجفاف سيدا لحياتنا المعاصرة، التي لم نعد نحفل بها بأهمية التقارب الفيزيائي الطبيعي فيما بيننا.
لا أدعو إلى عناق مجاني في الشوارع والساحات، بل أدعو إلى اظهار المشاعر الإيجابية لبعضنا. أن ننظر في عيون بعضنا دائما، أن نبث ابتسامة لكل من نرى. والأهم ألا نتوانى عن تبادل العناقات مع أحبتنا وأهلنا وأبنائنا وأصدقائنا وزملائنا. دمتم بدفء وسعادة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش