الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رواية الرسالة

تم نشره في الجمعة 25 كانون الثاني / يناير 2019. 12:00 صباحاً


د. محمد عبدالله القواسمة
من المعروف أن الرسالة وسيلة من الوسائل التي يتواصل بها أفراد المجتمع سواء أكانت رسالة شفاهية أم كتابية، وقد وجدت منذ وجدت اللغة كوسيلة من وسائل التواصل حتى إن المصطلح نفسه قد عرفته الثقافة العربية بل توسعت باستخدامه ليطلق على الكتاب عامة؛ وجاءت كتب كثيرة تحت عنوان رسالة، مثل: «رسالة التربيع والتدوير» للجاحظ، و»رسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد الأندلسي، و»رسالة الغفران» لأبي علاء المعري. ووردت المفردة في عناوين ما يشبه المقالات كـ»رسالة الصحابة» لابن المقفع، و»رسائل إخوان الصفا» الفلسفية وغيرها.
لا عجب أن تُدرِك الرواية بوصفها نوعًا من الخطاب السردي الذي يوجه إلى الآخر أهمية الرسالة، التي هي الأخرى نوع سردي يتوجه به المرسل إلى المرسل إليه؛ ليبلغه معلومات وبيانات وأحداثًا؛  لتحقيق هدف أو أهداف معينة، وقد تتخذ الرواية من هذا الالتقاء شكل الرسالة في بناء فضائها، وتقديم عالمها؛فهي طالما استخدمت فنونًا أخرى، مثل: القصة القصيرة، والمسرحية، والشعر وغيرها من الأجناس الأدبية؛ كما تنوعت فيها الأساليب والأصوات واللغات؛لهذا اعتبرها الناقد الروسي ميخائيل باختين أقدر الأنواع السردية على استيعاب الخطابات المختلفة، وتطويعها في خدمتها.
لقد استخدمت الرواية الرسالة استخدامًا جزئيًّا على شكل خطابات بين شخصياتها. وهذا ما نلاحظه في كثير من الروايات على تفاوت في التأثير في بنائها من رواية إلى أخرى، مثل: رواية «غادة الكاميليا» للكسندر ديماس الابن، و»البؤساء» لفيكتور هيجو، و»مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، و»الخماسين» لغالب هلسا، ورواياتي: «سوق الإرهاب»، و»الحب ينتهي في إيلات»، و»أصوات في المخيم» وغيرها.
كما استخدمت الرواية الرسالة استخدامًا كليًّا أي جعلتها بنيتها الأساسية وشكلها؛ ليتبلور لدينا ما نطلق علية رواية الرسالة، ويمكن التمثيل على هذا النوع الروائي بروايات: «رسالة من مجهولة» لستيفان زفايج، ورواية «كتاب الرسائل» للروائي الروسي ميخائيل شيشكين، ورواية «366» لأمير تاج السر. وهذا النوع هو الذي يهمنا في هذا المقال.
تجتمع في رواية الرسالة خصائص تميزها عن غيرها من الروايات، وهي خصائص اكتسبتها من اعتمادها الكلي في بنائها على الرسالة؛ فهي تستخدم ضمير المتكلم والمخاطب، وبمقدورها عرض الحدث من وجهات نظر مختلفة إذا ما استخدمت أكثر من رسالة. كما أنها تحتوي في العادة على متلقين اثنين: أحدهما داخلي، وهو المرسل إليه، وخارجي،وهو القارئ.وبهذا فهي تماثل الرواية العادية فضلًا عن كونها رسالة متكاملة.
من اللافت أن أغلب النماذج في رواية الرسالة تتصف بالرومانسية؛وأحداثها قريبة من الواقع، وتقوم على الحب بين فتى وفتاة، ويظهر فيها أحدهما شخصية متفانية ومثالية، وتبلغ درجة المرض النفسي والهوس بالآخر.وتنتهي في الغالب نهاية تراجيدية بموت أحد العاشقين.ففي رواية «رسالة من امرأة مجهولة» تموت المرأة المعروفة باسم ليزا بمرض التيفوئيد، وفي رواية «كتاب الرسائل» يقتلفلاديمير بطلها في الحرب، وفي رواية» 366» ينتحر البطل،الذي يسمي نفسه المرحوم بتناول كمية كبيرة من الأقراص المنومة.
يلاحظ أن هذا النوع من الرواية قليل في الرواية العربية والعالمية، ربما يعود هذا ـ كما أرى ـ إلى أنهاتقوم علىخطاب بين اثنين، والرواية عامة تميل غالبًا إلى تقديم شخصيات كثيرة،وتتوسع في استخدام الزمان والمكان، وتتعدى تناول قضايا العلاقات العاطفية إلى تناول قضايا كثيرة في المجتمع. كما نرى في هجمة التكنولوجيا الرقمية، وتطور وسائل الاتصالات الحديثة ما هدد وجود هذا النوع من الرواية، لكن تظل الرسالة من العناصر المستخدمة في الروايات استخداما جزئيا على شكل رسائل قصيرة،وغالبًا كما تظهر على الانترنت، وما تناسلمنه من وسائل التواصل الاجتماعي.
وما نريد أن نؤكده في النهاية أن وجود رواية الرسالة في الأدب الروائي يدل دلالة واضحة على أنّ الرواية فن يستوعب فنونًا كثيرة دون أن تُطمس معالمه، أو تتحطم بنيته، وتظل متفردة متربعة على عرشها، تضم تحت جناحيها ما شاءت من الفنون والخطابات.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش