الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دين الإسلام لا دين المذهب

تم نشره في الجمعة 26 حزيران / يونيو 2015. 03:00 مـساءً

د. صالح الفهدي

أعجبتني عبارة قالها شابٌّ عُماني في برنامج خواطر لأحمد الشقيري: نحن ندين بدين الإسلامِ لا بدين المذهبِ، وأعتقدُ أنه بهذه العبارة قد لخّص الفكرة السائدة عن التعايش السلمي للعُمانيين، كما أنّه لامسَ بها لبَّ الإشكالية المستفحلة في الذهنيات المتعصّبةِ التي أنتجت العنفَ والتمزّق في مكوّنات المجتمع المسلم..! نعم ندينُ بدينِ الإسلامِ لا بدين المذهب فالمذهبُ فقهٌ لا دين. أمّا الإسلامُ فهو الدّين: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” (آل عمران:19).
ولو ردّ كل مسلم الأمرَ إلى منهجِ الدّين، واستمع إلى صوته، ونهل من معينِ حكمته لسلم نفساً، وهنأ عيشاً، وأمنَ قلباً، لأن الإسلامَ براءة روحية، وفطرة إلهية، وليس غايات بشرية، وصناعات آدمية يشوبها الهوى، ويمازجها التّعصب، ويخالطها الباطل..! الإسلامُ منبعٌ زلال، صافي المشرب لكلِّ من شربَ من موردهِ، وفتح عقله لمقاصده الرفيعة. وما كان من إشكاليات ابتدعها بعض من زعم، وادّعى إلا لأنه أسلمَ نفسه لهوى النفس وهو يعلمُ أنّها على باطلٍ كعتاوتةِ قريشٍ وهم يخالسون غيرهم ليتلذذوا بالقرآنِ وهم يعلمون في دواخلهم أن النزعة الجاهلية، والعصبية القبيلة هي التي تحولُ دون اعترافهم بالحقّ المنزّل على الأمّة جمعاء وهي جامعةٌ وهم ضدّ الإجتماع..!
أمّا ما مزّق شأن الأمّة تناحراً وتقتيلاً وتباغضاً وتشتيتاً هو اعتبار بعض طوائفها وفئاتها المذاهب أديانا فصاروا يدينون بدينِ المذهب، ونسوا دين الإسلام، كما تجاهلوا أن المذهب فقه إسلامي له صوابه وخطأه، ومردُّ الأمرِ إلى الله والرسول أي إلى روح الإسلام الذي تضمنّهما..! إن القيم العليا في الإسلامِ هي التي يجب أن تسود فوق كل مذهبٍ آخر، فإن لم يستوعبها فقد تعصّب لبشريّتهِ..! وإن قبلها سمى به أٌفقاً، وعلا بها مكانة.
... إنَّ مرجع الأمرِ هنا لعنصرين: أولهما: سياسة الحكومة، وثانيهما: عقلية العلماء. فهذين العنصرين يقودان المجتمع بحكم تأثيرهما القانوني والتشريعي والديني إلى الوجهة التي يجب أن يمضي عليها، فقد وضعَ الثقة فيهما، وأسلم القيادَ إليهما، فإن أحسنا ذلك كان من أعظم نتائجهما السلم والتسامح والتآخي والتوافق، وإن هما انحرفا إلى مساراتٍ لا تخدمُ المعاني السامية التي أراد الله تحقيقها للبشر أسفرت مساعيهما أو مساعي أحدهما عن التناحر الطائفي، والاعتراك الطائفي، والنزعات العصبية، والنعرات القومية.
لقد باتت الأمّة تلعقُ جراحاتها، وتئنُّ من أوجاعها، في الوقت الذي جسَّد بعض من يتسمون بالعلماءِ مثلاً سيئاً في العصبيات الطائفية والمذهبية والفكرية والفقهية فألهبوا السياط على أجساد بعضهم البعض لا لينتصروا للحق وإنّما لينتصروا لأنفسهم..! وأوغروا صدور الناس بالأحقادِ والأضغان لجهلهم الإختلافِ، مع ادّعائهم الظاهري باتباعهم النهج المحمّدي وهم أبعدُ الناس عنه خلقا ومسلكا في الاختلاف والتسامح والتغاضي ونشدان الوحدة وتغليب المصلحة العليا للمسلمين. فرأيناهم يتقاذفون بالألفاظ الشنيعة، وسمعناهم يتبادلون الاتهامات الفظيعة، يكفّر بعضهم بعضاً، ويطعنون قلوب بعضهم بأشدّ ما تفعل الرماح المسنّنة..! كيف بهؤلاء أن يكونوا قادةً للأمة، ومرجعاً لأفرادها؟! كيف يوصفون بأنهم “أهل الذكر” الذين يعلمون ما لا يعلمه عامّة الناس عن دينهم وهم رهناء عواطفهم، وأسراء أهوائهم، ينافحون عن فهمهم المعوّج، وفكرهم المنحرف، الذي ما أدّت نتائجه إلاّ إلى وقوع الأمّةِ في براثن التخلّفِ والإرهابِ والتطرّف..! فإذا بهم يلتَّفون على حقيقة أنفسهم فيلقون التّهمة على الآخر، ويلصقون المؤامرةَ عليه، فيبرِّؤون أنفسهم من كل خطيئة، وينزِّهونها عن كل رذيلة..! نشروا التطرّف والتشدّد وأغووا العقول، وأضلوا النفوس فعاشوا هم في سلامٍ وعاش من أضلوهم في سعير التناحر، وأتون التقاتل..!
كيف يمكنُ أن يوحّد هؤلاء العلماء الأمّة وكلّ تفكيرهم وتدبيرهم في إحلالِ مذهبهم محل المذهب الإسلامي الآخر، وليس نشر الإسلام في بلادٍ لم تنل نعمة التّعرفِ عليه..؟! كيف يكون هؤلاءِ مسلمين وكلّ همّهم أن يبدّل صاحب مذهبٍ مذهبه ليفاخروا به، لا أن يعتنق فرد الإسلام..!! هؤلاءِ يدينون بدينِ المذهبِ لا دين الإسلام، لأن من يدين بالإسلامِ إن ما همّه أن يجمع لا أن يفرّق، أن يتطوّع لخدمة الإسلامِ لا لخدمةِ المذهبِ إن كان المذهبُ يحضُّ على التعصبِ والتطرّف..! هؤلاءِ يعيشون بأقنعة مزيّفةٍ فهم يظهرون للناسِ بأنهم دعاةُ سلمٍ وحق وسلام فلا تسمع منهم إلا دعوة التسامح والتعايش السلمي ويبطنون أعمالاً تخالف كل ذلك الذي يتشدّقون به أمام العامة..! إنني أحترمُ وأقدّر كل من يصحح مسار المذاهبِ، وينتقدُ ما شابها من العصبيات البغيضة والأهواء البشرية المحدودة البصر والبصيرة، أحترمُ هؤلاءِ على الرغم مما يلاقونهم من العنتِ من قبل بعض علماء المذاهب الذين وضعوا أنفسهم أوصياء على إرثها، وحرّاساً على كلّ ما أنتجه السلف من حقٍّ وباطل..! أحترمهم لأنهم أعملوا عقولهم، وأمعنوا تفكيرهم في الإرث المذهبي، فقبلوا ما رأوه متوافقاً مع مقاصدِ الشريعة، ورفضوا ما وجدوه متعارضاً مع المنطق والعقل والوحي. فعالمُ الدّين محدود النظر في جوانبَ معيّنة لا يستطيع أن يحيط بكل شيء، فهو في حاجةٍ إلى من يقدّم إليه المشورة والرأي في جوانب خارج تخصّصه، وعلمه. لهذا لا يمكنه أن يملي على النّاس ما يجهلُ تفاصيله وأبعاده فيكون كلامه أشبه بالمنهج الذي يحسبه الكثيرون هو الدينُ ذاته، وقد يكون الدين أبعد مقصداً ، وأسمى غاية مما يرى ويفتي..! يقول الفقيه المجدد عبدالله العلايلي رحمه الله: “لَيْسَ مُحَافَظَةً التَّقْلِيدُ مَعَ الخَطَأِ؛ وَلَيْسَ خُرُوجًا التَّصحِيحُ الَّذِي يُحَقِّقُ المَعْرِفَةَ”.
أمّا الساسة الذين اتخذوا من الأتباعِ مطيّةً لأهدافهم، ووسيلة لأطماعهم فقد وظّفوا الدّينَ بتوظيفِ علمائه كي يكونوا أدواتهم لتحقيق مآربهم، حتى ساقوا رعاع الناس إلى التصفيات الطائفية، وقادوا الأوطان إلى التجزئةِ والشتات، فصاروا أعداءً للأمّة أشدّ من أعدائها المجاهرين، وكشفوا عن استبدادهم وطغيانهم بأفضع ما يفعل العدو الغاشم..! يقول سماحة السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله: “إنَّ الإنسان الذي لم يستطع أن يبصر الشعاع السمح وهو يقبض من روح الله على هذا الوجود لا يمكن أن يعيش معاني الرحمة والمحبة والتسامح والمغرفة؛ لذا فلا يمكن أن يتسلم قيادة البشرية لأنه لا يستطيع أن يقودها إلى الجانب الخيّر من الحياة”.
... إنَّ كثيراً من مجتمعاتنا تتخلّلها أفكارٌ سقيمة، ونوايا مبطّنة غير ظاهرة، ودسائس خفيّة سامّة، تنتظرُ الظروف كي تكشف أستارها، وتترقب الفرص كي تظهر عن نفسها، وما لم تتخلص المجتمعات من هذه الوباءات العقيمة، والبلاءات العظيمة بالتعليم والقيم السامية والرؤى الحضارية وفتح العقول للآفاق الرحبة فستظل عرضةً للخرابِ، وهدفاً للتدمير في أي لحظة!
نعم ندينُ بالإسلام لا ندين بالمذهب، لكن المذهب الفقهي الذي نوسم به هو مذهبُ سلامٍ ووفاق وتصالح وتآخي، فإن شذّ فيه شاذٌّ نبذناهُ، وإن حادَ عن وسطيته متطرفٌ سفهناه، فلا غلبةَ لأحدٍ على اعتدال الدين، ولا عنجهية لأحدٍ على سمو قامة الإسلام. وقفنا صفاً واحداً: أباضياً وسنياً وشيعياً، توجّهنا لقبلةٍ واحدة، وكبّرنا بتكبيرةٍ واحدةٍ، وأدّينا الفروض وشهدنا بالله ربّا وبمحمدٍ رسولاً.. فهل بقي بيننا ما هو أعظم جامعٍ، وأسدى شاملٍ سوى ذلك..؟! تشرّفتُ بأن كتبتُ نشيد “واعتصموا” فأدّاه شيعةً وسنة وأباضيّة.. لأقل أدّاهُ مسلمون شربوا حليب الإخاءِ من ضرع عُمان الماجدة.
... إنَّ أساسَ بلاء المسلمين اليوم أنّهم لم يستمعوا نصيحة قائدهم ومعلمهم وقدوتهم الذي وصّاهم بترك العنصرية قائلاً لهم: “دعوها فإنها منتنة”، ولم يطبّقوا قوله عليه أفضل الصلاة والسلام في صحيح مسلم: “ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية”.. فما أكثر من يدعو إلى عصبية من علماء وجهلة وساسة، والنتائج لا تحتاجُ إلى برهان..!! فرقٌ إذن بين من يدينُ بالإسلام وبين من يدينُ بالمذهب؛ ذاك المنبع وهذا مجرى من مجاريه، ذاك الجذع وهذا فرعٌ من فروعه.. وما لم يظهر في الأمّة رجالٌ يعترفون بجرأةٍ بالأخطاءِ، ويقرّون جهراً بالعثرات والزلاّت فلن تقوم للأمة قائمة، ولن يصلح لها شأن، لا بد من التحلّي بالشجاعةِ فهي أسمى الفضائل.. ما أحوجنا إلى الشجاعة في الاعتراف بالأخطاءِ، والشجاعة في الإصلاح، والنظر السامي إلى عظمة الدّين الذي ننتمى إليه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش