الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صغيرات الأغوار يُوثّقن تهجير «النكبة» و«النكسة»

تم نشره في الخميس 7 شباط / فبراير 2019. 12:00 صباحاً

طوباس – محمـد الرنتيسي
تسرد زهرات عين البيضاء في الأغوار الشمالية شهادات شفوية من وحي روايات أجدادهن، فيُخبرن عن قصص شهدتها التجمعات الغورية خلال «النكبة» و»النكسة» عامي 1948 و1967.
ونقلت أميمة فقهاء: كانت جدتي تساعد أمها في تحضير الغداء، وسمعت صوت قنبلة قرب بيتها، فهرب الجميع إلى الجبال والكهوف المجاورة، وراحوا يقولون إن «اليهود احتلوا البلاد وقتلوا الناس»، ووصل طوباس أهالي من جنين وقراها، وفروا نحو الشريعة (نهر الأردن).
وتابعت: كانت جدتي ابنة 14 سنة، وحملت على يديها أختها الرضيعة، فهربت من بيتها تحت الشمس الحارقة، واجتازوا النهر من مخاضة (مكان عبور وسط المياه) قريبة، ونصبوا الخيام، ثم انتقلوا إلى وادي اليابس.
وروت أمل فقهاء على لسان جدها صالح: كان يوم جمعة حين جلسنا لتناول «الكرشات»، وفجأة «صار الرصاص مثل المطر»، وانتقلنا من مكاننا، ولم نشاهد غير بيوت محروقة، وسمعنا صراخ الفارين من الموت، والتقينا بجارتنا أم عبد الله، التي كانت تلبس ساعة بيدها وتحمل أغراضها على رأسها، وتسير تحت الشمس، وبعد وقت قصير أصابتها قذيفة قتلتها، وحفرت حفرة كبيرة في الأرض، وهربنا إلى جبال جباريس، وأقمنا ثلاثة أيام، حتى وصلنا هاربين من جنين وعقابا، وقالوا: «يا ناس أشردوا، يا ناس لحقوا حالكم، اليهود قتلوا وذبحوا..».
ووفق شهادة الجد لحفيدته، سار الفارّون من الموت صوب ينابيع المالح، واجتازوا تل أبو عنيز، ومنطقة أبو سيدو، ومشوا حتى الحصن شرق النهر، وجلسوا في الخيام، وحين جاء المخاض لزوجته، رزقوا بطفلة اسمياها (هاجر) لأنها جاءت وقت المحنة وهجرتهم لبلدهم، وأمضوا قرابة سنتين في الأردن، وحين وصلوا وجدوا دارهم مهدومة، وأقاموا «خشة» صغيرة، وذاقوا المَرار.
ووثقت شيماء فقهاء حكاية جدتها نجية على دراغمة، كما روتها أمها غادة: هربنا من الموت خلال نكبة 1948، وتفرق شملنا، فبقيت أنا في الأغوار، ورحل أهلي إلى الأردن، واجتازوا حدود لبنان، ووصلوا إلى سوريا.. كانت عائلتنا من 6 أولاد و3 بنات، وتوزعنا على الأردن، وسوريا، والصين، والأغوار.
وتابعت الحفيدة نقلًا عن والدتها: لم تستطع جدتي الالتقاء بأفراد عائلتها، ولم تجتمع بهم في الأفراح والأعياد والأحزان، وعندما كبرت فقدت ذاكرتها، وحين عاد أخوتها لم تتذكرهم.
وأوردت ديما أبو صبح حكاية جدها عوض، كما قدمها والدها «بلسان الغائب»: كنا نعيش في بيسان قبل عام 1948، أنا وزوجتي فاطمة، وابني محمد، وبناتي صبحية وزهيرة وفتحية وصبرية، وكنت أعاني من السمع، وحين حلت النكبة رفضت الخروج من بيسان، واعتقدت أن الجيوش العربية ستخلص بيسان من المحتلين، فغادرت كل عائلتي، ودخلت عليّ العصابات الصهيونية، واستشهدت، وعاش أولادي وأحفادي في طوباس وعين البيضاء، وذاقوا النكسة، وأجبروا على ترك بلدهم إلى الأردن.
وسردت رماء فقهاء رواية طلال يوسف أبو العايدة، التي لخصت تصفية الاحتلال لثلاثة شبان: اجتاز محمود أبو حلوة، وفايز أبو بحور، ومحمود عواد الشريعة، ووصلوا مخاضة أبو السوس، ثم عين البيضاء، وجلسوا قرب بيارات التميمي، وألقى جنود الاحتلال القبض عليهم، ثم قتلوهم بدم بارد أمام الناس.
هي قصص العبور والصمود، والنكبة والنكسة، ومشاهد يرصدها الصغار للتاريخ عن ألسنة الكبار، كي تظل قصصهم حيّة، وكي تظل الذاكرة الوطنية على قيد الحياة، فلا الرصاصة التي مزقت الأحشاء، ولا الألغام التي مزّقت الأبدان، شبعت من دماء الفلسطينيين، لكنهم باقون رغماً عن الوجع.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش