الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مِرْدَاح الضوء

تم نشره في الجمعة 15 آذار / مارس 2019. 12:00 صباحاً
نايف النوايسة

صبيب الضوء تتلقاه عيناي.. المكان ذات المكان منذ ثلاث سنوات.. السرير المواجه للنافذة هو السرير لم يتغير.. احفظ هذه الزاوية غيباً.. «النيون» ما زال يسكب ضوءه وعيناي لا ترمشان..
   جاري يئن فوق السرير المجاور وزوجته بجواره تداري دمعات تسللتا من عينيها وهي تحدثه بكلام كثير لم أفهم معظمه.. إلاّ أن عبارة «اتقِ الله» شدتني إليهما.. قلت في نفسي:  ثمة أمر ما وراء دمعات السيدة.. أصخت السمع جيداً.
   جلبة الطبيب وفريقه تعم الغرفة الواسعة.. صوته الرخيم يأخذني من قبضة السيدة وزوجها.. يلقي الطبيب عليّ نظرة ممتلئة بالابتسام  قبل ان يلبس قفازيه الطبيين.. يلتفت إلى الرجل  الذي يئن ويقول: يا رجل كيف تكون لو كنت في الحرب وهم يضمدون جراحك بلا مخدر.. اقترب مني أكثر فعدّل رأسي ليكون تحت وابل الضوء.. البسمة لا تفارق شفتيه.. يداه لطيفتان، وقد اعتاد أن يفركهما ببعض كلما دنا موعد العملية.
منذ ثلاث سنوات وأنا على هذا المنوال، وحفظت كل حركة وزاوية في هذا المرداح الضوئي حتى أنني حفظت أصوات الممرضات كمن يعرف الشخص الصاعد إلى الدرج أو النازل كيفية يتعامل مع الدرجات دون أن ينظر إلى الدرجات.. أنين الرجل المستلقي بجواري يرتفع.. يلقي عليه الطبيب نظرة سريعة ويتجاوزه ليسكب في عيني نقطاً كثيرة، وكان حريصاً على ذلك من توجيهه للممرضات بالتزام الدقة بالعمل..
   الرجل المستلقي بجواري يتململ ويرسل أنيناً حاداً.. اقترب منه الطبيب وتأمله فهز رأسه وهو يلاحظ دموع زوجته التي تنساب على خديها بلا توقف.. كان الطبيب يحدق بالزوج والزوجة، وغرس عينيه  بوجهها وكأنه يسبر أسراراً دفينة وراء دموعها.. خافت المرأة وارتجفت من نظرات الطبيب الذي سألها: ما قصة زوجك، هل يبحث عن شيء ما؟ بدا الارتباك على وجه المرأة ومسحت دمعة كبيرة وطأطأت رأسها ولم تقل شيئا.
   علا أنين الرجل واتضح من صوته أنه يقول: أين أنا؟ ثم نادي: أين ذهب الرجل، أين ذهب؟ اقترب منه الطبيب وقال: انا عندك، ماذا تريد؟ قال الرجل وهو يفتش تحت السرير: هو هنا، لم يهرب.. سأقتله.. دنت منه زوجته وقالت: يا حج لا أحد هنا.. كان يتملص لينزل وهو مغطّى العينين ولم يتوقف: سأقتله سأقتله..
   هز الطبيب رأسه وهو يبتعد عنهما وسلّط نظراته عليّ وهو يقول: الرجل تحت المخدر، في اللاوعي يقول الانسان ما لا يقوله في الوعي..
   باعد الطبيب بين جفنيّ بملقط طبي وجهز إبرته وراح يعاين موضعاً في عيني حتى يدلق فيه ما في الابرة ليصل الى الشبكية بسرعة.. وكعادتي بسملتُ واستعنت بالله في الحين الذي اخترق الالم حسمي كرعشة الكهرباء.. هي ثوان قليلة ولكنها صعبة جدا..
   أذناي مع الرجل جاري ولم تبرحاه.. دَقّة الإبرة قذفتني إلى قاع الذاكرة فصرتُ أضحك بصوت مسموع.. الطبيب يضع الكمادة على عيني ويقول: ما الحكاية يا بنات.. كأننا اعطيناهم اليوم حشيشة وليس بنجاً؟
يُبعد إيفان  الطبيب من أمامي وينسلّ هارباً من تحت السرير فيجد الجنرال أمامه.. خاف كثيراً منه فشرح له القصة.. ضحك الجنرال حتى سقط طقم أسنانه وقال: هذه المرأة التي تراها ليست امراتي.. وجدتها ها هنا فقالت لي سأخون زوجي الذي يخونني مع اي رجل..
   سأله إيفان: واين زوجتك؟ قال الجنرال: أعرف أنها تخونني وأطاردها طوال النهار، فظننتها هذه المرأة حين اقتحمتُ الغرفة فوجد.. فتح ايفان الباب وقبل أن يجرى راكضاً: بقي رجلٌ آخر تحت السرير..
   تركتُ السرير وأنا اضحك فقال الطبيب وهو يضحك أيضاً: ما القصة؟ قلت له: ايفان المسكين وصل بيته مقطوع النفس وهو يردد: والله سأهشّم رأسها إذا وجدتها.. دخل غرفة النوم ووجد زوجته مُلقاة على ظهرها وهي تئن من الألم.. اقترب منها وسألها: اين كنتِ قبل قليل؟ قالت: ذهبت إلى الصيدلية فأحضرت علاجاً لأسناني ومع ذلك لم يخف ألمها، وناديت عليك حتى تعبت.. ثم حملقت به وواصلت: انت ما زلت تشك بي..؟
   دنا منها إيفان وقبّلها وراحا يضحكان بهستيريا..
   كان الطبيب يمسح على جبيني ويقرص خديّ قرصاً خفيفاً فقلت له وأنا أبتسم:
إيفان يخرّب بيته زارني بعد مئتي سنة.. قال الطبيب مستفسرا: وما إيفان؟
ضحكتُ وسألته: أين ذهب الرجل جاري في هذا المرداح الجميل؟   
   فال الطبيب: غادر هو وزوجته..   
   تعجلت الخروج وأنا أشد على يد الطبيب  مودعاً..
   لاحا لي من بعيد.. اقتربت منهما.. كان يتأبط ذراعها وهو يردد: اتعبتك معي.. اتعبتك معي..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش