الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أشعــار نضـال القـاسـم تبث «أحــزان الفصـول الأربعـــة»

تم نشره في الجمعة 15 آذار / مارس 2019. 12:00 صباحاً

صبحي فحماوي
يفتتح الشاعر المبدع، الناقد الفذ، نضال القاسم  ديوانه الجديد «أحزان الفصول الأربعة» بثلاث مقولات، إحداها لـ»نيتشة»: «الألم العميق يجعلنا أرستقراطيين، نعتزل الناس»، وقبل ذلك بغلاف من تصميم الفنانة المبدعة كفاح فاضل، بمنظور فني جديد للفصول الأربعة.. لا وقت للتعليق على غلاف هذه الفنانة الجميلة الذي يعقد الفصول الأربعة  كطوق الياسمين على رأس الحياة، بحلوها ومرها.. وذاك الفيلسوف الألماني نيتشة، صاحب فلسفة القوة، وكتاب «هكذا تكلم زرادشت»، وكتاب « الحِكْمَة الشّريرةُ» لأنني أقصد قراءة أشعار الديوان والاستمتاع باستغابته.
يبدأ نضال القاسم،  الحائز على جائزة الدولة التشجيعية في حقل الشعر، بإهداء ديوانه إلى أبيه وأمه وأبنائه وبناته..وكنت أتمنى تجزيء المذكورين المحبوبين ليكون كل منهم في ديوان آخر.
وحسب قول الشاعر؛ كُتبت قصائد هذا الديوان ما بين 2007، 2017، في عدة دول زارها، وترجمت إلى أكثر من لغة عالمية،  ونشرت في عدة وسائل نشر ثقافي، ووسائل تواصل اجتماعي، وهذا يشجع على قراءة الديوان، ويشي بأهمية قصائده.
يبدأ الديوان بقصيدة  شاعرية المشاعر، بعنوان (نجمة بيضاء) يقول بعضها:
«ألا أيها الذاهبون..سرباً.. فسربا.. إلى المعركة.. إلى قمة في سماء الجليل.. الينابيع لهفى لكم عاشقة.. احذروا فالنجوم البعيدة أنوارها حالكة..».
في هذه القصيدة نحس بالموسيقا الشعرية الناغمة، والصور الشعرية جلية وحية متحركة كقوله: «الذاهبون سربا.. فسرباً.. إلى المعركة « وقوله: «الينابيع لهفى لكم عاشقة» وقوله: «وحمامتان تسافران إلى رذاذ الماء في الغيمات» هنا تلاحظ أن المقاومين يتحركون ذاهبين سربا فسرباً..وأن الينابيع تتحرك بعشقها، والحمام يسافر في الغيمات..وهكذا..لتكون القصيدة ناطقة بالموسيقا المصاحبة، والصور المتحركة ..وليس هذا فحسب..إذ أنك تقرأ : «الذاهبون سربا فسرباً إلى المعركة...إلى قمة في سماء الجليل..» والمعركة هنا تعني المقاومة..فهو يصور المقاومة ورجالها الذاهبين، ليسوا معاً...وإنما يقول (سربا..فسربا) وهذا يعني موجات من المقاومة تتلوها موجات وموجات..والمكان هنا محدد وهو الجليل، فلماذا اختار نضال منطقة الجليل، ولم يختر مكانا آخر بفلسطين غيرها؟ هل لأن المناطق المتوقع تحريرها من فلسطين أولا هي الجليل؟ أم لأنها مناطق الشاعر المغتصبة، أم لأنها مجرد جزء لا يتجزأ من فلسطين..كل فلسطين؟
وفي قصيدة أخرى بعنوان «الشهيد» مهداة إلى الشهيد عمر القاسم والذي سماه الشاعر»مانديلا فلسطين» رغم أن مانديلا لم يستشهد في سجنه الذي دام 27 سنة.. والشهيد الأسير « عمر محمود القاسم» من مواليد القدس سنة 1940 م..  صارع خلال مسيرة حياته خلف القضبان على مدار واحد وعشرين عاماً العديد من الامراض في ظل سياسة الإهمال الطبي المتعمد من قبل إدارة السجون حيث استشهد داخلها  في 4-6- 1989م..هذه القصيدة تقول:
«سأسميك فتى الشمس..فتى الريح والحلم..فتى الشمال ..فتى الجنوب..أسميك العواصف والخطوب..أسميك رفيقي..أسمي النهر بحرا ..أسمي البحر نهراً..أسميك فدائيا رقيقاً..أسميك شهيداً..أسميك الندى والأرجوان..وأسمي الثورة الحمراء دربي..والبراكين رفاقي..فما كل يوم تجود البلاد بأبنائها الأوفياء..»
وهنا نلاحظ أن أن الشاعر يسمي الشهيد عمر القاسم فتى الشمس، هل لأنه عاش عمره في أقبية السجون والقهر والظلم والظلام، وهو يشتهي رؤية الشمس، فسماه فتى الشمس؟ فتى الريح والحرية» هل لأنه عاش بعيدا عن الريح والحرية، فصار يحلم بالريح والحرية اللتين منحهما إياه شاعره نضال، الذي سماه رفيقه ، لأن عمر القاسم ناضل باسم الشعب الفلسطيني، وليس باسم الشمال أو الجنوب الفلسطيني فحسب، فصار فتى الشمال ..فتى الجنوب..رفيق الأحرار كلهم، ومنهم نضال القاسم؟
لم يتوقف رفيق عمر القاسم هنا، بل سمى النهر بحرا والبحر نهراً، وذلك يعني أن فلسطين في مخيلة الشاعر والشهيد هي من البحر إلى النهر ومن النهر إلى البحر..
ولكنني قد أخالف الشاعر في قوله: « فما كل يوم تجود البلاد بأبنائها الأوفياء» إذ إن فلسطين تجود كل يوم بأبنائها..كما تقول إحدى شخصيات روايتي (حرمتان ومحرم) صفحة 47: « كل يوم يسقط لنا شهيد، اثنان... ثلاثة عشر... ما يرزقنا به الله من شهداء لذلك اليوم..! ولكن لماذا يا ربي لا ترزقنا إلا بالشهداء؟» أعتقد أن الأصح قوله هنا: « ففي كل يوم تجود البلاد بأبنائها الأوفياء». وطوبى، أي (شجرة في الجنة) للشاعر نضال الذي التصق بالمقاوم الشهيد وسماه رفيقه.لست أدري إذا كان عمر القاسم ونضال القاسم قريبين، ولهذا جعله أنموذجاً للشهداء الفلسطينيين، وهم كثر.
وفي قصيدته بعنوان: «كان طيفا وغاب» يجيئنا القاسم فيلسوفاً، يتساءل عن الحياة..جمالية الحياة..خرافة الحياة..حركة الحياة وحنين المدفون في ثناياها، من أين ينبثق الضوء..كيف يكون كل هذا،  ثم فجأة يختفي، ويلوكه الغياب..لاحظوا سطوره المزروعة بالأسئلة:
«كان طيفا وغاب..كان وجها خرافيا جميلا..وجدولا يموج بالحياة والحنين..كان ينام على ضفاف الأرجوان..ويلقي إلى البحر أسراره..له رقة الموج والاغتراب..كان حالماً بالضوء والحرية الحمراء...وفجأة مضى..كالبرق واختفى وذاب..مشتتا يلوكه الغياب..لكنني أراه كل يوم في الضحى وفي تعاقب الفصول..وفي الحقول في السحاب..» كيف يكون وجها جميلا يموج بالحياة والحنين الدافق من القلب، ويكون برقة الموج وهو  ينام على ضفاف الأرجوان ثم فجأة يمضي، ويختفي ويذوب مشتتا يلوكه الغياب؟ أعتقد أن نضال هنا قد يقصد أشياء أخرى، ولكنني أراه يتفلسف قائلاً : ما هذه الحياة الخرافة، التي تموج بالحيوية والحنين والحب، وفجأة تمضي وتذوب وتختفي في الحقول في السحاب.. كيف تتبدد هذه الطاقة وتذوب في الحقول في السحاب؟ كقول الشاعر الذي سبقه: (فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله)  هذه الطاقة التي كانت مخزونة في حياة الشخص بما يراه ويحسه ويفكر فيه ويسمعه ويحبه..كيف تذوب وتختفي بلمح البصر..كيف يموت الكائن الحي  الذي كان يعتقد أنه ملك الدنيا كلها، فإذ به  يذوب ويختفي مشتتا يلوكه الغياب؟ وهو بهذا يتماهى مع جبران خليل جبران في قصيدته التي يقول فيها بما شجت به فيروز:
 «إنما الناس سطورٌ كتبت لكن بماء»
 ما هؤلاء الناس الذين هم رغم عنفوانهم وجبروتهم، ليسوا سوى سطور كتبت بماء  سرعان ما يجف ويختفي بلحظات؟ سؤال يجابه كل مفكر..ولكنه لا يجابه كل جبار عنيد يقول بدكتاتورية مطلقة: «أنا وأنا وأنا ربكم فاعبدون»..أستغفر الله العظيم..
وفي هذه القصيدة  نجد أن الشاعر يصف الإنسانية كلها وهو لا يبرح  مكان وطنه، إذ يقول: «وهو ينام على ضفاف الأرجوان» فضفاف الأرجوان هي ضفاف فلسطين الكنعانية القاعدة على بنية تحتية من الأرجوان..هذا الإنسان الذي يصفه نضال القاسم هو الإنسان الكنعاني العربي الفلسطيني الذي ربما يكون في عنفوان شبابه يحب الحياة وقلبه مفعم بالحنين والحب، ولكن حبه لوطنه يجعله يضحي بذاته في سبيل أن يحيا الوطن..تماماً كما تضحي الفراشة بحياتها في اقترابها من حب النور..من البحث عن الحياة  الكامنة داخل النور، البحث عن الله الكامن في النور..حيث الله نور السموات والأرض.. فرغم كل هذا الإشعاع وكل هذا الحب تجده يذوب..يختفي بطلقة عدو يصطاده مع اصطياد وطنه.. إنه سؤال الحياة..فلسفة الحياة  التي قد لا نحس بها لو كانت بلا موت..فلسفة الموت الذي لولاه لما كانت لذة الشعور بالحياة..فلسفة الموج الذي لولا انهياره إلى قاع سحيق، لما ارتفع في جبال أمواج جبارة تصنع تسونامي الخراب والدمار..
وأما الفصول في قصيدته (فصول) فلا يراها نضال القاسم سوى عداد ساعة تتكتك، شتاء، ربيع، صيف، خريف، وذلك في حركة مستمرة بينما وطنه ثابت بلا حراك وهو لا يبرح مكانه.. إذ يقول:
«مرّ كالجواد مضمخاً/ لم ينتظر أحداً/ مر الخريف كأنه الصبا الكسير/ ومرت الفصول والخيول والجنود/ مر الربيع والشتاء/ مر الصيف/ وموطني أسير.» لاحظا هنا أن كل شيء يمر..كل شيء متحرك..الخريف والشتاء والربيع والصيف..كلها تمر وتدور وتدور، كما رسمتها الفنانة كفاح فاضل على غلاف الديوان، طوقاً من الياسمين على رأس الحياة، الخيول والجنود تمر وتمر، إلا موطني فهو ثابت في أسره ومقيد لا يمر ولا يدور، على أي حال، أستطيع أن أرى في هذه القصيدة معنى آخر، وهو الصمود، فالكل متقلب وقادم  وذاهب، سوى وطني الذي يبقى صامداً رغم كل صنوف العنف والقتل والدمار والخيانة التي أصبحت علنية بعد أن كانت تتم سراً خلف الكواليس..وذلك ما قرأته في رواية الصهيوني الإسرائيلي عاموس عوز، بعنوان (حنة وميخائيل) إذ تقول الإسرائيلية حنة في إحدى صفحات الرواية:
«في القدس غيوم زرقاء مدلهمة تكبت الأنفاس وتشعرنا بكوننا نعيش هنا غرباء/ نمر في القدس غرباء، وسيأتي بعدنا غرباء آخرون..»، والكاتب عاموس هناك متأكد أن الإسرائيليين غرباء في فلسطين، وسيمرون متماهين مع الخيول والجنود التي ذكرها جمال القاسم في هذه القصيدة، ليأتي بعدهم –حسب قول الصهيونية حنة - غرباء آخرون، وبالفعل فهل سيعود الفلسطينيون الذين هاجروا عام 1948 كل إلى بيته الذي لم يعد لا هو موجود ولا البيت موجوداً؟ بالطبع لا، سيأتي بعدهم فلسطينيون وعرب ومسلمون مقاومون آخرون ليعمروا أرض فلسطين..
وفي قصيدته بعنوان (منافي) تجده يقول «وترفل بالتعاسة/ لست تدري/ أي منفى/ أيهذا القلب تبغي..» وهذا الشعور  يتماهى مع شعور محمود درويش في قصيدته التي يقول فيها: «لا ينظرون وراءهم ليودعوا منفى/ فأمامهم منفى/ وقد ألفو الطريق..» هذه هي تعاسة المنفى، إنها شعر التعاسة التي يرسمها نضال القاسم، حيث يرفل بها، وهو لا يدري إلى أي منفى سيكون مصيره. هل هو التهجير إلى (تشيلي) بصفتها دولة «عربية» لا يرحب غيرها بمهجريها الفلسطينيين العرب؟ أم هو التهجير إلى ألاسكا حيث التقيت رجلا هناك اعتقدت أنه عربي، فسألته هل أنت عربي؟ فقال برطنته المعروفة: (خليلي)! قلت ما الذي أتى بك إلى هنا في آخر الدنيا؟ فأجابني بكل دفاشة محببة: «وأنت ، ما الذي جابك؟!» إنه الشتات الفلسطيني الذي لا يعرف نضال له مصيراً.
الحديث حول جراحات وطن يحمله نضال القاسم على كتفيه ويدور فيه مثل حلزونة تحمل قوقعتها على ظهرها وتدور.. هكذا هو يدور.. من طوكيو إلى بيجين، إلى إيطاليا فالبرازيل فغيرها وغيرها من البلدان التي زارها.. حيث السياح يفرحون بمشاهداتهم السياحية، وبحبيباتهم المعشوقات، بينما هو لا يحمل سوى عشقه لوطنه الموسوم على جسده مثل التاتو الذي يشوه أجساد الفوضويين الأشقياء.ولا أقول يزخرفها.. لقد شوهتنا الغربة يا نضال القاسم.. شوهت أفكارنا.. شوهت قيمنا التي كانت.. شوهت سعادتنا المفترضة التي نعيشها غير قانعين بغير العودة.
الديوان يحوي عشرين قصيدة من هذا النوع.. إنه ينغل ببطارخ شعر عربية فلسطينية..تشدك قراءته الممتعة المعذبة، كما تتلذذ بالقهوة المرة السادة..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش