الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المقـــاربــة الفلسفيــة لقضيــة «القـــــدس»

تم نشره في الجمعة 15 آذار / مارس 2019. 12:00 صباحاً


 جميلة تلوت 
عرفت قضية القدس مؤخرا اهتماما كبيرا من مختلف الفاعلين، نظرا لمكانة القدس في مخيال الإنسان العربي والإسلامي، ولا نجد مقاربات معرفية قوية تقارب المسألة خلا المقاربة الدينية (من منظور مقارنة الأديان خصوصا) والمقاربة التاريخية والحقوقية، لكن غابت المقاربة الفلسفية، وفي هذا السياق، أسهم الدكتور طه عبد الرحمن في إضافة هذا البعد وذلك في آخر محاضراته التي نظمها «مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني» يوم السبت 27 يناير في موضوع: «الأسس الائتمانية للمرابطة المقدسية».
وقد نظّر طه عبد الرحمن للقضية من خلال مقاربته الفلسفية «الائتمانية»، ولا يمكن إدراك حقيقة المقاربة إلا بالاطلاع على ما كتبه الأستاذ في كتابيه «روح الدين» و «دين الحياء»، إذ انطلق في تفلسفه من الآيات القرآنية، واستند في ذلك إلى تعدد العوالم بين الغيب والشهادة وتنوع تركيبة تكوين الإنسان من جسد وروح، ومن هنا فلسفَ مفهوم الميثاق بين الله والإنسان في عالم الذر، ويجمع الميثاق بين الإشهاد والائتمان.
وميثاق الائتمان؛ هو الذي حمل الإنسان بموجبه أمانة القيم التي تجلت بها هذه أسماء الله الحسنى، ويتأسس منظوره هنا على آية الأمانة «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» [الأحزاب:72]
ونظرا لغياب «الأمانة» في الاجتماع الإنساني اليوم، يصف طه عبد الرحمن حالة الإنسان المعاصر اليوم ب حالة «الاختيان»؛ أي خيانة الأمانة، ويرى ضرورة إرجاعه إلى حالة «الائتمان»، عن طريق ما أسماه ب «الفقه الائتماني».
ويتأسس مفهوم الائتمان عنده على مفهوم الإيداع –من الوديعة، بحيث يكون كل ما خلق الله جل جلاله، من أجل الإنسان هو عبارة عن ودائع أودعها إياه، يتملكها كيف يشاء، ويتحقق بها كيف يشاء، شريطة أن يصون حقوقها.
كما يقوم هذا الائتمان على مفهوم «الاتصال الروحي»، بحيث يجعل ظاهر الصلة بالإنسان يزدوج بباطن الصلة بالله، وهذا الاتصال هو الذي يمكنه من دفع الاستعباد الخفي،فيمكن القول إن:

معادلة الائتمان = إيداع إلهي + اتصال روحي
ومن هذا المنطلق قارب طه عبد الرحمن قضية القدس، مؤكدا أن العالم فقد خلق الحياء بحيث بات كل قوي فيه يصنع ما يشاء، فصار الإنسان عموما يلقى أشكالا من الأذى، ويلقى الإنسان الفلسطيني خصوصا ضروبا من الأذى سواء من القريب قبل البعيد، وعدّد خصوصية الإنسان الفلسطيني؛ إذ أرضه ملتقى العوالم، وإرثه ملتقى الأبعاد الزمني منها والسرمدي.
ومن هنا كانت المقاربة المختارة في النظر لموضوع القدس، مقاربة فلسفية ائتمانية تصل بين عوالم الشهادة والغيب، وتصل الأبعاد الزمنية بالسرمدية، وبيّن أن لكل شيء روحا وصورة؛
كما بين الدكتور صور الإيذاء الإسرائيلي وتتمثل في إيذاء الأرض المباركة، وإيذاء الإرث الفطري، وجلّى أن روح الإيذاء يتمثل في إيذاء الإله والإنسان.
ثم قال إنه لما كانت مسألة الإله والإنسان لا تعني الفلسطينيين لوحدهم وإنما تعني الناس كافة، لزم بذلك ألا يختص الإيذاء الإسرائيلي الفلسطينيين لوحدهم، بحيث يتوجب على غير الفلسطيني دفع الأذى الإسرائيلي.
وبيّن طه عبد الرحمن تجليات الإيذاء الإسرائيلي للإله والمتمثل في منازعته المالِكية الإلهية، على حدّ تعبيره، فالحق سبحانه هو المالك المطلق، إلا أن الإنسان الإسرائيلي أبى إلا أن يكون هو المالك، وركب كل الوسائل التي توصله لامتلاك الأرض المباركة؛ وإن هضم حقا أو تعدى قانونا أو نقض عهدا أو خالف وعدا، وسمى طه عبد الرحمن هذا الفعل ب «الإحلال»؛ والتعريف الإئتماني للإحلال كما ذكره هو: احتلال الأرض منازعة للمالِكية الإلهية، ولخص وسائل الإحلال في؛ الاستيلاء بالقوة على الأرض وعلى ما فوقها وما تحتها.
كما أكد الفيلسوف المغربي أن خصوصية الدولة التي أسسها «الإسرائيلي» لا تتجلى في الاشتراك في التدبير وإنما الاشتراك في التمليك، واعتبر المحاضر حقيقة الدولة الإسرائيلية النموذج الأمثل للطغيان.
وانتقل الأستاذ إلى تجلية الإيذاء الإسرائيلي للإنسان والمتمثل في إيذاء الفطرة المؤصلة التي يصنع بها تراثه، معرفا الفطرة بأنها الذاكرة التي تحفظ القيم والمعاني الأصلية في الإنسان منذ خلقه، وسمى إيذاء الفطرة ب «الحلول»، أي أن الإرادة الإسرائيلية تحلّ بذات الإنسان، ومعناه؛ احتلال الفطرة المؤصلة بتَقَبّل تدنيس الأرض المقدسة. والهدف من هذا الحلول إفساد فطرة الفلسطيني بما يجعله يتلقى بالقبول مفاسد احتلال أرضه اغتصابا وتهجيرا وتشريدا وتدميرا وتجريفا وتقطيعا.
ومن نتائج هذا الإفساد الانتقال من القيم الفطرية إلى أضدادها، فيرى الإنسان الحق الذي معه باطلا والباطل الذي معه حقا، فأحدثوا فيه أنواعا ثلاثة من الإفساد؛
إفساد الذاكرة؛ فيصير الفلسطيني قادحا في سابق اعتقاداته وقيمه، فيؤدي ذلك باختلال علاقة الفلسطيني بالماضي.
إفساد تحقيق الذات؛ ويتجلى بجعل الفلسطيني يفقد من قدرته الذاتية على التغيير، فيؤدي ذلك إلى اختلال علاقة الفلسطيني بحاضره.
إفساد التوجه؛ ويتمثل في جعل الفلسطيني يضطرب في اختياراته وأولوياته، فيؤدي إلى اختلال علاقة الفلسطيني بمستقبله.
ومن الحلول أيضا، سلب الفطرة كاملة، أي اجتثاثها واستئصالها، فيصير الحلولي إنسانا بلا فطرة قاطعا صلته بعالم الروح، وقد عرف هذا في الخطاب القانوني والسياسي المتداول باسم التطبيع، وهوتضييع ما لا يضيع من مزايا الذات الإنسانية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش