الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الكرامــــة زمن النصر والشهادة

تم نشره في الخميس 21 آذار / مارس 2019. 01:00 صباحاً

د. مهند مبيضين
كُتب الكثير عن معركة الكرامة، نشرت الروايات، التي قدمتها ثلاث رؤى: الأردينة والفلسيطينة والإسرائيلية، ويتفق الطرفان الفلسطيني والاردني على أنها معركة مشتركة، حدثت بتاريخ 21 / 3 / 1968.
أهمية الحدث في كونه جاء بعد عام على الانكسار الكبير في حزيران 1967، آنذاك لم يكن الأردن يملك الخيار في تلك الحرب التي دخلها لظروف عدة، وخسرها مع أشقائه العرب، ومنذ ذلك الضياع الكبير استمرت الحرب على جبهة الغور الاردني، متقطعة يقوم بها الفدائيون ضد العدو المحتل، لتقرر اسرائيل اسكات صوتهم وبنادقهم، وتقرر لنفسها هزيمة أولى، حين اعتقدت أن الذهاب نحو الشطر الشرقي من نهر الأردن والأغوار هو أشبة برحلة صيد.
لكنهم الأسود، اردنيون من الجيش العربي، وفدائيو المقاومة الفلسطينية في حركة فتح، من الذين انتظروا طريدتهم، حتى كانت المواجهة، فانتصر الحق على الباطل، وارتقى الشهداء أقماراً في تاريخ الوطن.
الراوية الأردنية لا ترفض الرواية الفلسطينية، والتاريخ يوثق التنسيق بين الجيش العربي وثمة دور أساس للبطل القائد مشهور حديثة الجازي ورفاقه في ذلك، مع المقاومة، وكانت قواعد الفدائيين ضمن المناطق العسكرية، وافادة الجيش من الفدائيين من حملة «آر بي جي» ووزعهم في مناطق مختلفة حسب رواية الراحل مشهور حديثه، وتحرك الجيش في معركة المدرعات وحسم المعركة، لترتفع الروح المعنوية ويتحقق الانتصار.
الكرامة اعتبرت معركة تاريخية، بكل المواصفات، برغم أنها جاءت في ظروف صعبة، على الطرف الأردني والفلسطيني والمناخ العربي، الذي كان للتو قد خرج من هزيمة كاسحة قبل عام.
خرج الأردن منتصراً في معركته، وخرجت الثورة الفلسطينية وحركة التحرر بذات الانتصار، لم يكن الأردن معنيا باسم من يسجل الانتصار، لكنه كان معنيا بان لا يكون وطناً محتلاً، في جزء من أرضه بعد أن فقد نصفه في النكسىة، التي الح العرب عليه كي يدخلها برغم يقين القيادة الاردنية آنذاك بأن مقدمات النكسة كانت سابقة لها وشاخصة.
 الدرس المستخلص من المعركة كان في السياقين الوطني والعالمي، بأن تعظمت قوة الوطن، وجيشه العربي، وأن انتصرت الثورة والكفاح الوطني الفلسطيني، في مواجهة عدو متفوق بكل انواع السلاح، ويلقى الدعم الامبريالي.
لم يكن الأردن يخطط لكي يخسر نصفه في النكسه، لكنه كان مع سبق الصرار والعمد، منتظرا لواقعة الكرامة، فالتقارير الغربية بينت انزعاج اسرائيل من ترك الاردن لقوات الثوار بممارسة الازعاج المتكرر للمحتل.
قبيل الكرامة بعام وتحديدا في آب 1967 اعلنت حركة فتح في بيانها 75 عن إعادة تنظيمها، في الضفة والقطاع، وخلال الفترة من آب 1967 وحتى اذار 1968 قام الفدائيون باكثر من 79 علمية عسكرية جرحت مئات الاسرائيلين. وبدت «فتح» مركزية في حركة النضال، وهناك فصائل فلسطيينة أخرى مثل الجبهة الشعبية.
التقارير المخابراتية البريطانية رصدت تنامي حركة الفدائيين، وبخاصة في شرق الأردن، قبيل المعركة، وهو ما أشار إليه تقرير السفير البريطاني في تل أبيب hadow / هادو الذي اشار الى تنامي حركة انتقال الفدائيين من الضفة الغربية إلى الشرقية.
وبحسب التقرير كانت اسرائيل قلقة من هذا التنامي والاحتضان الشعبي الأردني للفدائيين وكذلك تغاضي الجيش العربي الاردني عن دورهم، وهو ما جعل العدو يقرر ويصر على انهاء هذا التهديد الحقيقي الذي باتت حركة المقاومة آنذاك تشكله. وقد وصف السفير هادو الوضع «بانشاء قوة ارهابية كبيرة في شرق الأردن وتواطؤ الجيش العربي الأردني معها..». لا بل اضاف هادو إلى ان تلك القوة استوعبت شبابا فلسطينين وعربا من مخلف البلاد العربية. وبهذا غدا الأردن عشية الكرامة قاعدة للجهاد والمقاومة. وهذا محل فخر واعترزاز لكل عربي.
ومارس الإعلام الاردني والعربي توثيقه للحدث بطرق مختلفة؛ فالصحافة الثورية والفصائلية الفلسطينية، احتفلت بالحدث كونه رواية مقاومة، والصحافة الأردنية أدت الدور ذاته باعتبار الحدث انتصار دولة وجيش منظم، ولم يكن سؤال نسبة النصر مطروحا لمن للجيش العربي أم المقاومة، فلم تكن سياسات الفرقة قد تمكنت ولم يكن الأغراب قد دخلوا بعد ليفرقوا الأخ عن أخيه، ولاحقا طرح السؤال حين تأزم الحال العربي اكثر وباتت قضية فلسطين متاجرة بين العرب، وممارسة في السياسة بدل أن تكون سبيلا للتحرر، وفيما الإعلام المحتل والغاصب يحاول تخفيف هول الهزيمة وتقديم صورة مشوهة عن الخسائر، إلا ان اسرائيل تلقت ضربة موجعة وخسرت هيبتها واسطورتها.
العدد الصادر من جريدة الدفاع في اليوم التالي للمعركة، يوم 22 آذار يوثق لنا مجريات الحدث، تخرج الصحيفة بعنوان: معارك ضارية بالسلاح الأبيض، وعنوان آخر «أعنف قتل جرى منذ حزيران:، ومقتل 200 جندي اسرائيلي ومئات الجرحى واسقاط 5 طائرات وتحطيم 45 دبابة و25 عربة مجنزرة و27 آلية مختلفة، تلك كانت صفحة من صحافة النصر في اليوم التالي، وتلك كانت بعض الخسائر للعدو.
في الخبر الثاني، الحسين يدعو اشقاء العرب لقمة عربية، هم الأشقاء الذين قالوا للحسين في قمة الخرطوم بعد النكسة» دبر حالك باسترداد ما فقدت» هكذا قال الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ليرد الرئيس المصري على الحسين في اليوم التالي بالقول: دعوتكم من وسط المعركة تمس الضمير العربي». ودوليا تبرز الدعوة لانعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي.
وسواء انعقدت جلسة مجلس الامن أم لا، وكذلك القمة العربية فقد كانت القمة الحقيقية قد قامت في أرض الكرامة، قمة أبطالها الشهداء والمقاومون، الذين سطروا أجمل نصر عربي بعد حالة انكسار سيطرت على الثقافة العربية بعد النكسة.
يوم الرابع والعشرين من آذار، خرجت صحيفة الدفاع، بعددها (9689)، بعنوان رئيس هو « حوار الحسين والعرب والعالم»، وهو إشارة إلى حديث الملك الحسين الذي اطلقه من ديوانه الملكي العامر إلى العرب والعالم، موضحاً ما جرى وما حدث، وفي ثنايا الجريدة وصفحاتها توثيق لقصص البطولة والشهادة والتضحيات الكبرى، واعلانات مختلفة من التعازي للعرس الكبير.
في الصحيفة تتوالى نصوص النعي للشهداء من كل المدن والقرى والقبائل الاردنية، ونقف عند ما كتبه خليل محمد خليل البوريني في نعي شقيقة راتب، الذي استشهد، في أرض الكرامة قائلاً: «أخي وصديقي راتب، هنيئا لك ولاخوتك الأبطال الفوز العظيم، هنيئا لكم الجنة والخلود، لقد استشهدتم في سبيل الله والوطن، وهذه مفخرتنا إلى الأبد،، وأما أمك الصابرة «أم شامان» فلقد اهديتها في عيد الأم أكليل غار سيبقى إلى الأبد..»
وتفيض صحيفة الدفاع بالتقارير والاخبار والرسائل المحلية والعربية، ونجد فيها الإعلانات عن السينما، حيث تكشف لنا الإعلانات عن مجتمع الحرب، وماذا كان يشاهد من أفلام مثل سينما الرينبو التي كانت تعرض آنذاك فيلم «الروس قادمون» وسينما بسمان التي كانت تعرض فيلم «حلوة وشقية» وسينما الحسين التي كانت تعرض فيلم «جاسوس بالاكراه».
ويزور مندوب صحيفة الدفاع مخيم الكرامة، ومنطقة المعركة ويمضي نهارا كاملاً هناك، مسجلا الحدث وموثقاً لذاكرة الناس ومسجلا الخسائر التي تكبدها المحتل والتي لم تكن لتحدث لولا تدخل الدروع في الجيش العربي الأردني، وهذه الخسائر هي حسب الصحيفة هي التي جعلت جيش العدو الذي خسر معركة طيران ودروع ومشاه أن يولي الادبار.
المطلع على صحافة ذلك الزمن، والتي كانت تصدر في الأردن، يجد أنها مؤيدة للعمل الفدائي الذي احتضنه الشعب أيضاً، وباركه الجيش العربي ورجاله، وكذلك الملك حسين رحمه الله، حيث غدت البلاد آنذاك في حالة تعبئة عامة، وصيرورة حتمية في المواجهة والنصر على جيش الاحتلال.
لم تكن الثورة أو الهوية أو الانقسام مصطلحات موجودة، كانت فلسطين هي الضائعة وهي الهدف التي ركز عليه المقاتلون، فكانت إرادة النصر هي التي صنعت النصر. وكان لنا في الأردن أن نفخر بجيشنا العربي وشهدائه الأبطال الذين اهدونا أجمل أيام الوطن، وكذلك فرحنا بالانتصار الذي اعاد لحركة المقاومة الفلسطينية روحها وجددها وشدّ من عودها.
ومن بين البرقيات العربية التي أيدت النصر العربي، برقية الراحل الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله والتي قال فيها : وانتم تدافعون عن الأرض العربية، ونحيي جنود الأمة الذين يحملون السلاح ويقدمون أرواحهم فداء لقضية العدالة والحرية والكرامة، ونؤكد لجلاتكم أننا نضع جميع امكانيات أبو ظبي حكومة وشعبا دعما لموقفكم البطولي وايمانا بوحدة الصف العربي..»
نعم لقد أتت الكرامة بزمن عربي جديد، وكان للراحل الحسين أن يُسأل في مؤتمره الصحفي، ماذا لو نجحوا؟ ويجيب الحسين أنهم كانوا يسعون لتحطيم الروح العربية، وتحطيم الأردن بشكل خاص، الأردن الذي صار اشد مناطق القتال ضراوة ضد المحتل، وليقينهم أن في الضفة الغربية أناسا وشعبا كاملا يريد من الأردن أن يعود أكثر قوة مما كان عليه قبل 5 حزيران. وختم الراحل الحسين كلامه في مؤتمره الصحفي: هذه هي أرضنا وهنا نبقى أحياء مع الكرامة، أو هنا هنا نموت.»

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش