الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مع قاعدة: المُسَلَّماتُ العَقْلِيَّةُ والحِسِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ في الشَّرْعِ

تم نشره في الجمعة 22 آذار / مارس 2019. 01:00 صباحاً


د.أحمد الريسوني


أ– قواعد ذات علاقة:

1– الشرع لا يَرِدُ بخلاف العقل = قاعدة أخص
2– لم يَرد الشرع إلا بما أوجبه العقل أو جَوَّزه = قاعدة أخص
3– ما يُعرف ببَدائه العقول وضروراتها لا يجوز أن يَرِدَ الشرع بخلافه = قاعدة لازمة
4– موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول = قاعدة أخص
5– الشرع قد يرد بما لا يقتضيه العقل، إذا كان العقل لا يحيله = قاعدة أخص
6– الشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل = قاعدة لازمة
7– لا تكليف بما لا يطاق = قاعدة مطابقة
8– أدلة العقل تخصص العموم = قاعدة متفرعة
9– يجوز التخصيص بالحس = قاعدة متفرعة

ب– شرح القاعدة

المراد بالمسَلَّمات: الحقائق والمدركات القطعية التي لا جدال فيها بين العقلاء، فهم جميعا يدركونها ويسلمون بها ويتعاملون على أساسها.
وهذه المسلمات قد يكون إدراكها بالعقل، وقد يكون بالحس، وقد يكون بهما معا. وهي تتشكل وتستقر من خلال بَدَهيات العقل البشري الجماعي، ومن خلال التجارب المتكررة والممارسات المستمرة والعادات السُّـنَـنِـيَّـة الـمُطَّردة.
والمراد بالحس : مجمل الحواس الإنسانية المستعملة في درك الأشياء والأوصاف والأحاسيس المادية، كالحواس الظاهرة المعروفة باسم الحواس الخمس (وهي: السمع والبصر واللمس والشم والذوق).
وأما العقل، فالمراد به: ملكة الفكر والنظر المعنوي، التي تمكِّن صاحبها من التمييز والإدراك واستنتاج الحقائق والمعارف التي لا تدرك بمجرد الحواس.
ومن المعلوم أن أكثر ما يستقر في قلوب الناس وما يصدر عنهم من أحكام وتقديرات، يجتمع في تشكيله العقل والحس في آنٍ واحد، بحيث لا ينفرد به أحدهما. وكثيرا ما يعبر بوصف العقليات، عن قضايا يكون للحس أيضا أثر بالغ في تقديرها وتقريرها، ولكنها تنسب إلى العقل باعتبار الوظيفة التركيبية الاستنتاجية التي يتولاها العقل النظري. وأوضح مثال لهذا هو إدراك وجود الباري سبحانه؛ فهو ثمرة مشتركة في آن واحد للإدراكات الحسية والاستنتاجات العقلية، ولكنه عادة ما يصنف باعتباره قضية عقلية.
على أن «المسلَّمات العقلية» المقصودة هنا، لا تدخل فيها الآراء والتقديرات والاختيارات الفكرية، التي تختلف أنظار الناس فيها، تبعاً لانتماءاتهم ومرجعياتهم وطرائق تفكيرهم، بما فيها تلك التي توصف بالعقلانية ويوصف أصحابها بالعقلانيين. كما لا تدخل فيها الأحكام الذاتية الناشئة عن المشاعر والأحاسيس، التي تتفاوت وتختلف بين الناس، بحسب أحوالهم وأذواقهم وطبائعهم.
وقد قدمنا في المبدأ الثالث من هذه المبادئ أنْ (لا حكم إلا لله)، وهو يعني أن الأحكام الملزمة للعباد لزوما شرعا، لا تكون إلا من الله تعالى، أو بإذنه وبدليل منه. ويعني كذلك أن العقل لا يستقل بوضع الأحكام الشرعية من عنده. وهذا هو معنى قولهم: (لا حكم للعقل في الشرعيات). فقصارى صلاحية العقل في التشريع: الاجتهادُ في فهم أحكام الشرع، والاستنباطُ من أدلته وهديه، والتخريجُ على أصوله وقواعده. فلذلك تبقى الأحكام الشرعية الاجتهادية، مرهونة في حجيتها وصحتها وإلزاميتها، بمدى اعتمادها على أدلة الشرع ومطابقتها لها. ولهذا قال الإمام مالك بن أنس قولته الشهيرة: «كل واحد يؤخذ منه ويُرَدُّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ما نحن فيه الآن لا يتعلق إذاً بالرأي والاجتهاد، ولا يتعلق بالنظر والترجيح العقلي، الذي يخص صاحبه ومن وافقه، ولا يتعلق بالتقديرات الظنية والاختيارات الذاتية النسبية، وإنما يتعلق بما تتفق عليه وتسلم به عقول الناس ومداركهم، أو تشهد به حواسهم وتجاربهم، وهو ما يسميه بعض العلماء «بدائه العقول».
وبناء عليه، قرر العلماء أن «ما يعرف ببدائه العقول وضروراتها كالتوحيد وشكر المنعم وقبح الظلم لا يجوز أن يَرِدَ الشرع بخلافه، وما يعرف بتوليد العقل استنباطاً واستدلالاً فلا يمتنع أن يرد بخلافه»، أو كما جاء في الصيغة الأخرى للقاعدة « ما يعرف ببدائِـهِ العقول وضروراتـها لا يجوز أن يَرِدَ الشرع بخلافه»
وأما حين نجد بعض التقديرات والآراء والاستنتجات والمقولات العقلية، تقتضي خلاف ما في الشرع، فمعناه أن فيها هي خطأ ما أو خللا ما، فلا عبرة حينئذ بها وبمخالفتها لما جاء به الشرع، {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة 30]. فالشرع يمكن أن يرد بما لا تدركه العقول، وبما لا تقتضيه العقول، في اجتهاداتها واستدلالاتها، ولكنه لا يأتي أبدا بخلاف البدهيات والمسلمات الضرورية، لا العقلية منها ولا الحسية. بل يأتي بتأييدها والعمل بمقتضاها.
فهذا الذي نعنيه بقاعدة « الأخذ بالمسلمات العقلية والحسية «، أي أن هذه المسلمات القطعية بمصدريها العقلي والحسي معتمَدة في الشرع؛ فيُعمَل بها، ويُبنىَ عليها، ويحتكَم إليها، ولا يقبل ما خالفها. فكل ما تضمنته وأثبتته هذه المسلمات القطعية البدهية، فهو مقبول ومعتمد شرعا. وكل ما شهدت باستحالته وامتناعه، فهو باطل مردود، ولا يجوز القول به أو نسبته إلى الشرع، ولو بدا من ذلك ما بدا.
وعملا بهذا الأصل، يذهب جمهور العلماء وخاصة منهم الأصوليين إلى أن العمومات الشرعية إذا تضمنت ظواهرها ما يتنافى مع الحقائق العقلية أو الحسية المقطوع بها، فإنها تخصَّص بما يقتضيه العقل والحس.
 فالتخصيص بالحس: « كما في قوله تعالى في الريح المرسلة على عاد {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف 25]، أي تهلكه، فإنا ندرك بالحس أي المشاهدة ما لا تدمير فيه، كالسماء.
- والتخصيص بالعقل: « كما في قوله تعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد 16 + الزمر 62] ، فإنا ندرك بالعقل ضرورة أنه تعالى ليس خالقا لنفسه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش