الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحنين إلى الماضي...«يا بركة أيام زمان»..!

تم نشره في الاثنين 8 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً

عمان ـ منى جمال نعلاوي
عندما تثقل هموم وضغوط الحياة كاهلنا، تبدأ آليات الدفاع في أنفسنا في البحث عن طريق لتوازن نفسي يبقينا على تماس مع خيوط الحياة، فلا نجد في حياتنا لحظات سعادة أكثر من تلك التي عشناها في ماضينا، فرغم التطور التكنولوجي والتقني الذي وصل اليه حاضرنا، الا أننا نبقى في حنين دائم الى أجمل أيام في حياتنا، طفولتنا ومراهقتنا، الى أيام الدراسة، الى صداقة لم تعرف طريقا لمصلحة، زياراتنا الأسبوعية الى بيوت أجدادنا، أول أيام المدرسة، أعيادنا في طفولتنا، اختبارات الدراسة التي كنا نظنها أعظم هموم الحياة، أشكالنا قبل أن يغيرها حاضرنا، فعندما ننظر الى صورنا القديمة تملأ أعيننا دموع فرحة؛ لبساطة ما كنا عليه في ماضينا.. فلماذا نبقى معلقين بذكريات أيام خلت تملأ ذاكرتنا صورا تنعش أرواحنا.؟
الصدق، البركة، الذكريات الجملية الدافئة.. لهذا نحنّ لماضينا.!
« ايناس « طالبة جامعية تخصص لغة عربية، ترى أن حنينها الى الماضي سببه؛ أنها انسانة عاطفية الى حد كبير، فذكريات الماضي و أيام الطفولة وأيام الدراسة هي أجمل أيام عاشتها في حياتها.
يسترجع « رياض « وهو مندوب مبيعات لاحدى الشركات التسويقية، أكثر ما حفر في ذاكرته من ايام الماضي، فيقول: « أكثر الصور التي لاتفارق ذاكرتي، هي صورة جدتي عندما كانت تجلس على «حجر الطاحون « القديم، فتطحن القمح والزعتر والعدس، وما زالت أيضا رائحة خبز « الصاج « الذي كانت تصنعه جدتي لا تفارقني الى الآن «.
أما « أحمد عاصم « فيرى أن صدق الماضي هو أكثر ما يجعله ذكرى لها سحر لاينسى.
الحاجة « أمينة أم فتحي « ذات الستين ربيعا، قالت « أيام زمان كان أحلى ما فيها الخير، والبركة في المال والعيال، في الرزق والصحة، في حب الجار للجار، في حنية الابن والأخ، أيام زمان كان لسان الرجل ايمانه، كان لسان الرجل مثل السيف على رقبته».
أما « مها « وهي موظفة في احد المستشفيات الخاصة، فتقول: « كنا أصغر عمرا، أقل مسؤولية، وهذا ما يدفعنا دائما للبحث عن لحظات سعادة عشناها في الماضي، فكلما كبر الانسان وعبر بمواقف كثيرة ازدادت خبرته في الحياة، ولكن السلبي في الموضوع، هو أنه بذلك تزداد مسؤولياته وتكثر همومه «.
أما « بسمة « فتقول ضاحكة: « أكثر ما أذكره من أجمل أيام حياتي « كابتن ماجد «، «صاحب الظل الطويل «، «ساندي بيل «، أغاني التسعينيات التي ما زلت أستمتع بسماعها الى هذا الوقت الحالي، أفلام شادية وعبد الحليم، و أكثر صوت افتقدت سماعه في أرجاء بيتنا، هو صوت جرس الهاتف الأرضي في منزلنا «.
« راية « تقول « ما زلت أذكر أثواب جدتي القديمة، والتي افتقدناها فترة من الزمن في مجتمعاتنا، والتي عاد رواجها حديثا بكثرة، حيث عادت نساؤنا حديثا تتزين وتتباهى بها، فهذه الأثواب هي ما ميز تراثنا العربي، وجعله علامة مسجلة نزهى ونفتخر بها، وحتى أننا أصبحنا ننفق المبالغ الكبيرة في سبيل الحصول عليها، إذ إنها تعتبر جزءا من ثقافتنا وهويتنا «.
« نوستالجيا « حنين الى الماضي..!
يقول دكتور الارشاد النفسي والتربوي، الدكتور « عمار عبد الحي التميمي «، « كلنا كبشر كبيرا أو صغيرا، نشعر بحنين الى ماضينا، وعندما يدخل الانسان في دائرة الحنين هذه، تنتابه غالبا مشاعر من السعادة والبهجة، وتتجدد طاقته كلما حن الى الماضي بكل صوره وتفاصيله، بروائحه، بصوته وأغانيه، بأماكنه، بكل هواجسه»، ويستطرد «التميمي « في حديثه قائلا « أن الحنين الى الماضي هو ظاهرة بشرية، كان يطلق عليها في أحد العصور قديما « نوستالجيا «، أوبمعنى آخر حنين الى ماض مثالي».
ويتابع التميمي « ان 80% من البشر يعيشون هذه اللحظات بشكل دوري في حياتهم، و « نوستالجيا « قديما كانت عبارة عن مرض أوحالة نفسية، ولكنني أرى أنها آلية للدفاع عن التكيف، يستخدمها الانسان لرفع سوية المزاج، أو لتحسين الحالة العقلية الراهنة، فالانسان في الظروف الآنية يعاني من مشاكل وتقلبات مزاجية كثيرة، وبالتالي هي أصبحت وسيلة تكيفية نوعا ما، فذكريات الماضي بدفئها وعواطفها تمنح الانسان دفعة يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية، و لكنها تصبح حالية مرضية اذا بقي الشخص عالقا في ماضي أليم الذكرى، وهذا يسبب له حالة من سوء التكيف، تؤثر على حاضره، وعلى انتاجيته أيضا، فنجد أشخاصا كثيرين يرددون كلمات مثل « أيام زمان كانت أجمل، أين اختفى وفاء واخلاص الماضي «.. وغيرها من هذه المصطلحات، فالحنين الى الماضي بشكل مبالغ فيه يقود الشخص غالبا الى العزلة والانطوائية والانزواء في الماضي، وهذا يدخله في حالة عدم تكيف نفسي واجتماعي، وبالمحصلة تتأثر وظائف الحياة اليومية، وبالتالي ؛ « نوستالجيا « قد تكون خيرا أو شرا حسب استخدامها وتوظيفها ».
ويؤكد « التميمي « على ضرورة الوسطية والاعتدال في كل شيء في الحياة، ليبقى الانسان ضمن اطار الصحة النفسية، أما التطرف زيادة أ ونقصانا، قد يحيده عن الوسطية، حتى في المشاعر والحنين والسعادة، وبالنتيجة ؛ كلنا كبشر عندما نذكر تفاصيل الماضي تغمرنا حالة من السعادة.
وبين « التميمي « أن هذا الأسلوب قد يستخدمه بعض المختصين، في العلاج النفسي، فبعض الأشخاص يعانون من ماض أليم، فيتم تذكيرهم بلحظات جميلة عاشوها في حياتهم السابقة، فيستذكرون أشخاصا وأماكن، وقيما كانت سائدة قديما، عادات بسيطة، أكلات تقليدية، وكل هذا يعطي للانسان شعورا بالنشوة والراحة، ويعود « التميمي « ويؤكد على أن المغالاة قد تؤدي بالشخص الى التطرف في عيش الماضي، وبالتالي تعتبر هذه وسيلة توقف عن النمو والتكيف والتعايش؛ لأنه بذلك ينكر الماضي، وهذا مايسمى بحالة سوء التكيف، بغض النظر ان كان الحاضر أسوأ أو أفضل من الماضي، وهذا يشير الى وقوع الشخص ضحية لحالة قد تكون مرضية، اعتمادا على النظر الى معيار الشدة والتكرار وأدائه لوظائف حياته اليومية.
الحنين الى الماضي.. في بعض الأحيان.. انكار للحاضر.!
يقول « التميمي « إن هناك الكثير من الأشخاص في بعض الأحيان، قد تكون لديهم أمنيات للعودة الى الماضي، ومنهم أنا شخصيا، وهي أمنية للعودة الى ماض قد يرتبط بلحظات و أوقات وأماكن وأشخاص، وقد تكون كل هذه العناصر مرتبطة بظروف حياتية مختلفة تخلو من المسؤولية، كنا نرى حينها الحياة وردية، كنا مفعمين بالأمل والطموح، وكانت هذه عبارة عن أهداف نسعى للوصول اليها، وعندما وصلنا الى نقطة الحاضر، شعرنا أن هناك أمورا تغيرت على كافة مستويات الحياة «.
ويؤكد « التميمي « على أن هذا أمر طبيعي، فالانسان ينتقل من طور الى آخر، باختلاف ظروف الحياة وتحدياتها، وكل هذا يدفع الانسان الى أن يتوقف عند الماضي، أملا في العودة اليه، وانكارا للحاضر، ويستدرك « التميمي « قائلا « أن الانكار المتواصل للحاضر، والغوص في الماضي، قد يدخل الشخص في حالة من الكآبة والعزلة، وهذه حالة مرضية «.
ويختم قائلا « الماضي له جمال وسحر خاص، يحمل صورا من الايجابية، ولكنه في كثير من الأحيان يحمل صورا من السلبية أيضا، فعلى الانسان أن يعيش حاضره، ويتأمل ويستشرف مستقبله؛ لأن الحاضر هو النقطة الحقيقية في هذه اللحظات، وهو بعبارة صريحة « نقطة التحول بين الماضي والمستقبل «؛ فالماضي انتهى ولن يعود، والمستقبل لا نعلمه، وبالتالي؛ عش الواقع، وانهل من الحاضر «.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش