الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صلح يخاصم الحياة

رمزي الغزوي

الأربعاء 10 نيسان / أبريل 2019.
عدد المقالات: 1939

يتملكني غضب عارم حين أتابع مجريات أي صلح عشائري على خلفية حادث سير مروع يقترفه سائق طائش يذهب ضحيته أبرياء.
أحب الوئام وأسعى نحو الصلح والتصالح والصفح دوماً. ولكن مثل هذا الصلح تحديدا، ليس إلا خصاماً مع الحياة وعداء لها، وتنغيصاً عليها. وليس إلا ضوء أخضر لكل من يستسهل القتل ويراه أقل من دعسة بنزين. فما معنى أن تصفح عن قاتل لم تمض مدة على جريمته؟
أرى أن لا دخل للعشيرة في مثل هذه الحوادث البشعة، التي يكون فيها سائق متهور سببا لإزهاق أرواح بريئة. فليس كرماً ولا نخوة أن يتم صلح يسقط الحق عن القاتل ويخلى سبيله، وكأنه أفنى نملة. بحجة أننا نمارس عوايدنا وعاداتنا.
يا جماعة الخير، على الأقل اتركوا من مات يبرد في قبره، اتركوا أهله يحزنون عليه كما ينبغي للحزن أن يكون. دعونا نشعر أن الحياة مهمة في عيوننا ووجداننا. الحياة تساوي أكثر من فنحان قهوة نخاف عليه أن يبرد، والحياة أكبر من عرف أو عادة نخاف أن نكسرها.  
مع كل أسف فنحن انحدرنا بمعنى فنجان القهوة إلى الحضيض. حينما أوجدنا معنى جديداً يسمى فنجان (الحفار والدفار)، بمعنى أن نسامح ونصفح ونسقط كل حقوقنا عمن قتل قبل أن يبرد الفنجان أمام الجاهة الكريمة.
بفنجان الحفار الدفار ضاعت حقوق أيتام فقدوا معيلهم الوحيد في حالة كثيرة، بحجة أن عوايدنا العربية أن نصفح ونسمح، ثم ليعش الأيتام على ذكرى أن بعض مشايخهم قد سمحوا عن دم أبيهم بفنجان ساخن. وبحجة الفنجان أسقطنا الحقوق المدنية والجزائية عن مجرمين قادوا سياراتهم بنية القتل. أو ليس من يطلق جنون السرعة ناوياً القتل؟. أليس من يستهتر بقواعد المرور ويتجاوز ويعربد على الطريق قاتلاً بالفعل.
الصلح بهذه الطريقة ليس عفواً، بل هي هفو وتعفير لوجه الحياة. وإلا ما معنى أن تصلح على قتيل ما زال ساخناً في قبره؟. أية مشاعر ستخلفها بنفوس أهله وذويه وأصدقائه، أليس من مهازل الحياة أن يخرج القاتل من سجنه بسرعة دون أن ينال جزاء رادعا. أهذه قيمة الحياة في عيوننا؟.
الأصل أن يذوق الأمرين من يتسبب بقتل إنسان، سيما إن كان متهوراً يقود بطيش وجنون. الأصل أن نجعله يدفع الملعونة وأختها، كما يقال، كي يعرف أنه تسبب بكبيرة، وأنه أزهق روحاً مكرمة. وأن يدفع دية عظيمة تكون رادعة له ولسواه. فمن أمن العقاب أساء الأدب.
أنا مع الصفح والتسامح، ولكن ليس قبل أن نجعل قيمة الحياة كبيرة بيننا، وأن نعلي من شأنها، وألا ندع فنجاناً يلوث حياتنا. يااااااااه كم هو مخجل فنجان الحفار الدفار. إنه موت آخر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش