الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غياب الرموز الوطنية أبرزت أشخاصا بعيدين عن رمزية النضال الحقيقي

تم نشره في الثلاثاء 23 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً
نيفين عبد الهادي



ما أن يقوم أحدهم، أو إحداهن بعمل استثنائي مهما كان بسيطا، حتى يصبح أو تصبح رمزا، وحالة يتحدث بها الجميع، وحديث الساعة على وسائل التواصل الإجتماعي، وبعض وسائل الإعلام، تحديدا إذا ما تعلق الأمر بحالة نضال شعبية، فتتوزع الصور والمنشورات باتساع كبير ويصبح رمزا، ومثالا يحتذى عند البعض!!!
 حالة بتنا نعيشها مؤخرا، فما أن تخدم كاميرا مصوّر إحدى السيدات أو أحد الرجال بحدث معين بتحنيط موقفه في صورة، حتى يتحوّل لرمز، وتختزل قضايا وطن كامل وأحداث سياسية ونضالية ضخمة بهذا الشخص، وتتحوّل تلك الصورة لشعار مرحلة، ويتهافت الجميع للحديث عنه لمجرد أن عدسة كاميرا التقطته دونا عن غيره، أو برز خلال مسيرة أو اعتصام أو عملية نضالية اعلاميا، أو بإجراء استثنائي قام به جذب الأنظار له!!!!
 والسؤال هنا، هل بتنا نعيش أزمة رموز نضالية شعبية، وضحالة بوجودهم، الأمر الذي يجعل من أشخاص «ذكورا أو إناثا» رموز مرحلة، أحداثها تتسم بعمق أكبر عشرات المرات من هؤلاء الأشخاص، وما قاموا به؟، هل غياب الرموز التي أثبتت حضورها بمواقفها ونضالها وعظمة عملها ترك مساحات لمثل هذه الشخصيات تبرز على سطح الحضور الشعبي وأحيانا السياسي والإقتصادي، فتصبح جوهرها وأساسها.
 عندما نتحدث عن الشهيد معاذ الكساسبه، والشهيد محمد الدرّه، أو نتحدث عن الأسير مروان البرغوثي على سبيل المثال لا الحصر، حتما نحن هنا نتحدث عن عملقة بالعمل السياسي والنضالي، نتحدث عن صبر لم تهزمه الأيام بكافة ظروفها، وتحدّ تفوّق على كل معاني الثبات والعزيمة، نضال اتسم ببلاغة الصمت، وعظمة العمل والفداء، فلامس صمتهم ضجيج حياة شعوب، وتفاصيلها، ليكونوا رموزا حقيقيين للنضال والفداء، موثقين زمنا كاملا في حضورهم القويّ بعملهم.
 وفي قراءة لهذا الواقع، اعتبرت آراء تحدثت لـ»الدستور» أن ضحالة الموجود من الشخصيات وضحالة واقعنا النضالي والثقافي، وكذلك فقدان الثقة برموز اتخذت في وقت سابق، أوجدت حالة من اتخاذ رموز مؤقتين، بطبيعة الحال لم يقدموا شيئا يمكن أن يجعل منهم رموزا، فكان أن بتنا نسمع بأسماء عادية خدمتها عدسة مصوّر، أو موقف استثنائي لكنه عادي، ورغم ضعفهم إلاّ أنهم للأسف باتوا رموزا.
 ورأت ذات الآراء أن الرمز الحقيقي يجب أن يتمتع بشرطين أساسيين أولهما أن يكون صاحب مواقف ثابتة لا يتغير مهما تغيرت الظروف، وثانيهما أن تكون مواقفه مؤثرة، لكن مع الأسف هذا الأمر أصبح نادرا، وعليه أصبحنا نلجأ للرموز الصغيرة.
 لا شك، أننا اليوم، ونحن نسمع بأسماء وشخصيات في بلاد تشهد أحداثا سياسية ونضالية، وثورات، نفاجأ بأن كل ما قامت به هذه الشخصيات مجرد ظهور في صورة، أو خطاب ألقي بين جماهير من الأشخاص لا يتجاوز عددهم المئة، أو تعرضوا لواقعة بسيطة لا تدخل بالمطلق في سياق العمل النضالي، وبين ليلة وضحاها يصبحون رموزا، ومحورا للقاءات صحفية، ومنشورات على وسائل التواصل الإجتماعي، أو السعي لإستضافتهم، من قبل مؤسسات كبيرة كانت أو صغيرة!!!!
 يمكن القول أننا نعيش عمليا أزمة رموز شعبية وطنية حقيقية على مستوى عربي، وليس فقط محليا، صنعتها ظروف استثنائية عادية، أو الحظّ، ليس أكثر، فأصبحوا يجسدون حالة بعيدة إلى حدّ كبير عن المعنى الجوهري للنضال، أو العمل الوطني الإقتصادي أو السياسي، أو حتى الإجتماعي، لا يختلفون عن غيرهم ممن اتخذوهم رموزا إلاّ بموقف بسيط التقطته عدسة مصوّر.  وحدها قصص النضال الحقيقية لا تشيخ، تبقى خالدة في تاريخنا، وأذهاننا، راسخة بعظمة أصحابها، فمن غير المعقول أن نوازي الشهيد معاذ الكساسبه، بمن وقف/ت تلقي خطابا أمام عدد من الأشخاص ضد حكومة بلادها، أو خاض/ ت جدالا بقضية معينة، أو سابق/ت عدسات المصورين خطوته/ا لتصوير تعامله/ا مع جيش العدو، فنحن بذلك نوقع ظلما على مبادئ الوطنية والنضال ونغيّر من مفهوم رمزيتهما.
 وزير الثقافة الأسبق الدكتور صلاح جرّار، أكد بهذا الشأن، أننا نعيش أزمة رموز وطنية ونضالية شعبية، وضحالة في الموجود بهذا الشأن، اضافة إلى أن هناك مشكلة في بعض الرموز الماضية التي أصابتنا بخيبات أمل مع مرور الأيام، وكانوا ليسوا على مستوى الطموح، فتسببوا لنا بخيبات أمل، مما جعلنا نلجأ اليوم لأن نتخذ رموزا هشة تصعد للواجهة، ونحن ندرك جيدا أنها لم تقم بما يؤهلها أن تكون رمزا، لكن واقع الحال جعل منها ذلك ولو بشكل مؤقت.
 ولفت جرّار إلى ان العقل العربي لم يعد يتقبل أي رمز بالمفهوم المثالي الذي نشأت عليه أجيال، لأن الثقة غير موجودة بما تفرزه بعض الأحداث، وباعتقادي أن هذه الحالة أصبحت تتجه للرمز الذي يترك أثرا مؤقتا، فأن نأخذ من سيدة هتفت في مسيرة، أو قامت بموقف بسيط في اعتصام، رمزا لحالة نضال، نحن دون أدنى شك نعيش ضحالة في وجود شخصيات قوية رمزية بعملها وانجازها، ومثل هذه الرموز سرعان ما تختفي مع مرور الأيام، ولا تترك أثرا بالمطلق.
 واعتبر جرّار أن الأشخاص الذين يمكن جعلهم رموزا للمرحلة هم من أصحاب المواقف الثابتة، التي لا تتغير مهما كانت الظروف وأن لا يتراجع عن موقفه، وأن تكون هذه المواقف مؤثرة، هما شرطان أساسيان، لجعل الشخص رمزا، ومثالا يحتذى، وبطبيعة الحال هناك ندرة بهذا الأمر، وهذا ما يدفعنا اليوم للرموز الصغيرة المؤقتة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش