الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تطريزات على ثوب الحياة

تم نشره في الجمعة 26 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً
د. راشد علي عيسى

لا تَلُمْكَ على ما مضى
أو تراهنْ على غيمةٍ
وعدتْ بالمطرْ
عِشْكَ كالنهر يجري على سَهْوِهِ
لا يفكّرُ بالنبع أو بالمصبّْ.
قرِّبِ العودَ أكثرَ من دفءِ صدركَ
لما تُدَوْزِنُ أوتارَهُ
فَلَكَمْ سلَّ أسرارَهُ
من ضمير الخشبْ.
وإذا كان لا بُدَّ من جولةٍ
في البكاءِ – فلا بأسَ – سَلْسِلْ
دموعَكَ تحت الترابِ
فما غيرُها سكَّرٌ للقصبْ.
وإمّا انْتَشيْتَ إلى زهوةٍ في الغناءِ
فأيْقِظْ ضلوعَكَ نحو الرنيمِ
فَلَيْسَ على طائر الحزنِ
من عتبٍ في الطربْ.
لا تَلُمْ نشوةَ الخمرِ حين تُديرُ
برأسِكَ ألطافَها،
فَلَها عُذْرُها أَنْ تعودَ إلى
دَنِّها،
أو إلى حضنِها
في كروم العنبْ.
لا تَلُمْ زهرةَ الشعرِ لمّا تبوح
العطورَ على أوجهِ المتْعَبينَ، فما
الشعرُ إلا شذا صادقٌ
لزهورِ الكذبْ.
لا تَلُمْ بسمةً تستَقِرُّ عَلى
شَفَتَيْك
وأَطِلْها.. أَطِلْها ولا تخشَ
منها عليكْ
رُبَّما هيَ مَشْفى لمن فَمُهُ
ينتحبْ.
لا تَلُمْ طفلةً لو تبيعُ الجرائدَ
بين الشوارعِ عند الظهيرةْ،
ربَّما تشتهي قَلَمًا أو أبًا أو
فطيرةْ
كلُّ جرحٍ له وهْمُهُ في اقتراحِ
الرضا،
وللماءِ منبعُهُ من أنينِ
الصخورِ،
وللنار فرحتُها بالحطبْ.
لا تَلُمْ شَيْخ تسعينَ حين يلاعبُ
أرجوحةً من على غفلةٍ من عيونِ
بَنيهْ،
دَعْهُ في سَهْوِهِ يتلهّى مع الطفلِ فيهْ
يستعيدُ طفولتَهُ في اللعبْ.
لا تَلُمْ عاشقًا جرَّب الحبَّ من بعدِ
سبعين جرحًا،
فللقلبِ أسبابُهُ في إعادةِ تأهيلهِ
للهوى
واشتعال الجوى
ولهُ ما لَهُ إنْ غوى
فَأَحَبّْ.
لا تَلُمْ حجرًا حاقدًا قد رماهُ
صديقٌ عليكْ
خُذْهُ بين يديكْ
وابتسمْ
فَهْوَ أجملُ من وردةٍ سمُّها
في الرحيقْ
وهو أجملُ من (مرحبا)
حِقْدُها مُحْتجِبْ.
لا تَلُمْ حاسدًا قد أهالَ الترابَ
على سُمْعتِكْ
دعْهُ مستمتعًا بالإساءةِ لكْ
أَوَ ليسَ ببعض الترابِ عروقُ
الذهبْ.
لا تَلُمْ شيخةً لا تفارقُ مرآتَها
فَلَها حقُّها أن تؤخِّرَ زحفَ الجرادِ
على شَعْرِها،
وَلَها حقُّها أن تُحَنّي الخريفَ
اللحوحَ وتسألَ ريحانَها :
كيف ساهى مفاتِنَها وانعطبْ.
حَسْبُها عاشت العُمْرَ مذعورةً من
خداعِ الرجالِ،
تؤلّف ماءً جديدًا إلى نَهْرِها
وتُلَمْلمُ من سِحْرِها ما انْسَلَبْ.
أرأيتَ إلى العشبِ ينبتُ بين الحجارةِ
لا يشتكي !؟
هُوَ الحلْمُ ينبتُ بين الأصابعِ
من غيرِ إذنِ الربيعِ ولا يستشيرُ الهواءَ
ويأخذُنا لأعالي الفراغِ، إلى جهةٍ لا تليقُ
بأحزانِنا،
وإذا ما سألناهُ عمّا يريدُ بنا
لمَّ أوراقَهُ وَهَرَبْ.
لا تكنْ عبْدَ ليتْ
ولا عَبْدَ بيتْ
فإنَّ المغارةَ بيتُ النبيّ الطريدِ
ومأوى الفؤادِ الشريدِ
وليستْ تطالبُ طيرًا بأجْرٍ
ولا ترتجي منهُ شكرًا، ففيها
حضانةُ أُمٍّ وأنفاسُ أَبْ.
لا تَلُمْ شهقاتِ الرغيفِ إذا
لم يجئْ
لا تَلُمْ شمعةً لم تُضِئْ
ولْتكنْ مثلَ صحراءَ لا تشتكي الحرَّ
والقرَّ، لا تعدلُ الصيفَ عن طبعِهِ
لا، ولا تُشْعِرُ البَرْدَ بالذنبِ، لا
تسأل الليلَ عمّا محا أو كَتَبْ.
لا تَلُمْ بُلْبُلًا باحثًا عن قفصْ
فَلَهُ حقُّهُ أن يكونَ جبانًا
يحاذرُ صيادَهُ المرتقبْ.
لا تَلُمْ نقطةَ النونِ إنْ
فارقتْ نونَها
فَلَها ما ترى...
تلتقي... تفترقْ
تنتشي... تحترقْ
دونما سببٍ في السببْ.
لا تَلُمْ جَسَدَكْ
عندما لم يَعُدْ سَنَدَكْ
فَهْوَ مُذْ نطفةً كانَ..
كانَ أباحَكَ آلامَ صَلْصالِهِ
وانسحَبْ.
لا يَغُرَّنَّ عينَكَ لمعُ المرايا
ولا الضوءُ مهما بَرَقْ
إنَّ بعضَ الظلامِ ضياءٌ
خجولٌ،
وكَمْ وجَدَ الصبحُ مفتاحَهُ
في الغَسَقْ
ليس يرضى السراجُ بقتْلِ الفراشاتِ
لكنها أخطأتْ قَصْدَها
فاحْتمتْ باللهبْ.
لا تخنْ ساعةَ البهجةِ السانحةْ
كُنْ وفيًّا لها،
واقْتَنِصْها بخفّةِ صقرٍ ولا
تنتظرْ
دعْكَ مما يُسمَّى غدًا
دعْكَ مما يُسمَّى العُمُرْ
فَغَدٌ كذبةُ البارحةْ
إنما السَّعْدُ صيدٌ
وكمْ خاب مَنْ لا يصيدُ الدقائقَ
كم خانَهُ وهْمُهُ فانتحى دمعةً جارحةْ
ثم باع ملامِحَهُ للرمالِ،
وهاجرَ من ظِلِّهِ
واغتربْ.
أنتَ مَنْ أنتَ كي تأخذَ العُمْرَ على محملِ
الجدِّ من غير ما صيغةٍ من كَمَدْ!
قبلَكَ الأرضُ نارٌ وماءْ
بعْدَكَ الأرضَ تصعدُ نحْوَ السماءْ
لن ترى حَوْلَ حَوْلِكِ إلاّ أنينَ الأبدْ
فَعَلى أيّ حُلْمٍ تلومُ،
وماذا ستحصُدُ غيرَ هشيمِ الحنينِ
وماذا ستمضغُ غيرَ رمادِ الغضبْ؟
لا تَلُمْ شهْوةَ الموتِ حين يزاولُ
أحقادَهُ بيننا،
تلكَ مهنتُهُ منذُ قابيل ظلَّ وفيًّا
شجاعًا يديرُ إرادَتَهُ
مثلما يستحِبّْ.
لسْتَ قَدَّ السؤالِ،
ولا أنتَ أفصحُ من منزلِ العنكبوتِ
ولا أنتَ كفؤٌ لدمعِ الندمْ
فإلى أين تمشي بغيمةِ وهْمِكْ
وما الوهمُ إلا نعيمُ الألمْ
فَلْتَعُدْ إنْ قدرتَ إلى بطنِ أمِّكْ
وعِشْ أيُّهذا الغريبُ النبيلُ بإخلاصِ
نحلةْ
وحكمةِ نملةْ
فما ظلَّ في الجرحِ متَّسَعٌ للعتَبْ..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش