الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رضـوى عـاشـور وأنثـويـة الناقدة العربية

تم نشره في الجمعة 26 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً
د. نادية هناوي



إذا كانت الحركة النسوية في مجال النقد قد لاقت إهتماما في السنوات السابقة، فإن أكثر الداعين لها والمروجين لمحتواها كانوا من الرجال، لا سيما أن أغلب تلك الحركات كانت في الأصل منضوية ضمن السياق السياسي للمجتمع الغربي وتحولاته الاجتماعية.بينما يغدو الحديث عن نقد نسوي أو انثوي ـ عند فئة من النقاد العرب ـ من باب المجاز او اللاواقع.
ولو نظرنا الى أقدم منظور أنثوي في الابداع البشري؛ لوجدناه يعود إلى ملحمة كلكامش التي عبرت عنمركزية المرأة في الحياة من خلال شمخة ودورها المعرفي في اخراج انكيدو من عالم الحيوان الى عالم الانسان ثم سيدوري ودورها في توجيه كلكامش نحو الخلود،كما شهد تاريخ وادي الرافدين نساءً كثيرات مثل الملكة بوابي وانخيدوانا وسمير اميس ادين ادوارا مهمة في مجتمعاتهن.
وممالا ريب فيه أن الأدب الاوروبيكان قد شهد حركات مناصرة للمرأة ودورها في الحياة والادب، من خلالحركات ونظريات تبنت طروحات النقد النسوي الذي عرف اصطلاحاً بـ(Feminist Criticism)). وقد اسهمت مرحلة ما بعد الحداثة في الدفع بهذه النظريات والحركات نحو الامام. ومن أهم تلك النظريات نظرية المساواة، التي نشأت في النقد الادبي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تأثرا بكتابات (فرجينيا وولف) التي كافحت من أجل المساواة والانسجام والاندماج بين الذكر والانثى.وبالرغم من أن الفلاسفة ورجال الدين والنقاد كانوا رافضينلمسألة الازدواجية مؤكدين التضاد بين الذكر والانثى، فإن وولف وبحسب الناقد جيرمي هوثورن كانت أول كاتبة عرفت مباشرة ناقدة لنظرية المساواة، مؤكدةأن أدب النساء لا يمكن أن يقوم بمنأى عن الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي أنتجته، وأن من انعكاسات تلك الحال أن صارت المرأة الكاتبة منزوية في زاوية ضيقة قيدت حريتها الكتابية ومنعتها من إمتلاك الفرص الجديرة بها.
وقد حددت فرجينيا أبعادا لنظرية المساواة منها البعد النفسي في النشاطات التعويضية،والبعد النقدي الثقافي، فالمرأة مثقفة تجمع في ذاتها السياسي والسيكولوجي وعالم الأخلاق وعالم الإقتصاد مع عالم الجمال والادب والفن. وهناك البعد الفني المتمثل في الظواهر التي تخص الجمالية النسوية كالصور أو اللغة من منظور الانثى.وقد ناصرت بعض الكاتبات أفكار فرجينيا وولف مثل كارولين هبلرون في كتابها( نحو اعتراف بالخنوثة ) وايلين شووالتر وكتابها(أدب خاص بهن) وجيري رجستر وباربرا هل رايني التي ناقشت قصة(غرفة تخص احدا ما) 1958 لفرجينيا وولف، وغيرهن كثير ممن روجن لنظرية المساواة.
وعربيًا، زاولت المرأة النقد النسوي بوظائف تجمع ثنائية الإقصاء بالإحتواء والتواري بالظهور والمركزية بالتفكيك. ويبدو أن أي تحليل للخطاب النقدي النسوي العربي سيستدعي أولا تحديد العلاقات التي تربط المرأة الناقدة بالنظام الاجتماعي وذلك حين يتغلب النظر السياقي والمرجعيات الخارجية على سائر الاطراف النقدية الأخرى أعني النص والسنن والمتلقي والقناة التوصيلية، كانعكاس واقعي لحالات الاضطهاد والكبت والسكوت والانزواء والعزلة والحرمان التي عانت منها المرأة العربية اديبة وناقدة..
ونعتقد أن كثيرا من الخطابات النقدية التي أنتجتها المرأة العربية كان قد غلب عليها هذا التوجه فالناقدة تسعى الى اظهار ذاتها من خلال اعتماد معايير القيمة كالتفاضل أو التحيز ازاء ما تكتب عنه.ونقف عند الناقدة الدكتورة رضوى عاشور التي إهتمت بالبعد السيوسولوجي في دراسة أعمال الروائي الفلسطيني غسان كنفاني. ولقد تغلبهذا البعد على كتاباتها فكانت له تبعات نقدية مختلفة، منها الانفعالية والتعاطف والمقالية والذاتية والتأثرية والانطباعية الآنية.
فهي كامرأة لا تنسى ذاتها وعلاقتها التحيزية مع من تكتب عنه مسجلة انطباعتها الانثوية. وعن ذلك تقول:( كانت قراءتي للأعمال الكاملة رحلة أغنتني إلى حد الرغبة الملحة في توصيل ما أغتنيت به الى الآخرين وحين بدأت الكتابة لم تكن رغبتي انجاز بحث أكاديمي يتناول هذه النقطة أو تلك أو زاوية دون غيرها لأعمال غسان كنفاني الإبداعية )
وكأي باحث أدبي كان هاجسها الأول تحليل تلك الانجازات الفنية مع اتباع الموضوعية في الرصد، لكنها أقرت أن الانفعالية غير غائبة عن ميدان عملها وأن تعاطفها مع غسان كنفاني نابع من إحساسها بدور غسان الريادي في كتابة القصة والرواية الفلسطينية،ناظرة إليهككاتب ومناضل له انجازات مبدعة. وقد قام منهجها السيوسولوجي على طرح سياقي تاريخي وسيري يعتمد بالدرجة الاساس على سيرة الكاتب وتنشئته كمدخل لولوج عالمه القصصي بموضوعية وفنية .وهذا جزء من التوجه الواقعي الذي يرى الادب جزءا مكملا لا ينفصل عن الحياة والواقع، وأن الادب الحقيقي هو الذي يعكس ذلك الواقع كي يكون صورة صادقة عنه.
وقد تتبعت رضوى عاشور حياة غسان الطفولية وصباه، مقيمة منهجها على أساس رصد كتابات غسان الإبداعية من خلال :التحليل والتقييم للعلاقة المتبادلة بين العمل والواقع الذي انتجه، والعلاقات الداخلية في الروايات بناء ونسيجا مع لمحة سريعة عن حياة كنفاني وعالمه القصصي والروائي ومفاهيمه للتاريخ والارض والسلاح والتمرد والثورة والجماهير.
وقد انعكست رؤيتها الواقعية على كثير منتحليلاتها النقدية، الامر الذي انزلق بها احيانا نحو المقالية، فهي مثلا تصف طريقة استشهاد غسان بطريقة ميثولوجية اسطورية(كتموز وادونيس الهي الخصب في الاساطير القديمة كان غسان شابا جميلا يقتل قبل الاوان ولكن الطبيعة لم تبكه .. ولم تنتحب عليه نساء أورشليم عند الهيكل .. فما كان غسان اسطورة بل كان رجلا فلسطينيا يحمل قلمه وبندقيته ليدافع عن حق شعبه في التحرر )
وقد إتخذت من التكوين الثقافي والاجتماعي لغسان، مدخلا لولوج عالمه القصصي،كاشفة عن ادواته الفنية ومدى قدرته على توصيل رؤياه إلى قارئه عبر قصصه القصيرة (موت سرير رقم 12 )1961و (ارض البرتقال الحزين) 1963و (عالم ليس لنا )1965.وقد آثرت أسلوب الانتقاء للمنجز الفني كونه يصلح كما ترى لدراسة عالم غسان وتجاربه في توظيف الشكل الواقعي الذي قد يطعِّمه بالحكاية الشعبية والفانتازيا.
ولان منهجها الواقعي قد انحاز نحو المضمون على حساب الشكل،لذا واجهت عقبة وهي بصدد مناقشة قضية الشكل في القصص الكنفانية. وهي حين أحست بذلك الانحياز للمضمون وأدركت تغلب النظرة الإجتماعية لديها على حساب التحليل الشكلي؛ راحت تربط هذا المضمون بتكنيك الرمز والصورة، إلا انها سرعان ما عادت ثانية إلى المضمون في موضوعات الفقر والغربة والاطفال، ثم انحنتبنقدها نحو الشكل فوجدت في القصة معادلا موضوعيا رمزيا لنكبة الشعب الفلسطيني.
وقد وزعت دراستها توزيعا يقوم على توظيف جمل وعبارات هي أقرب إلى الروح المقالية منها إلى النفس البحثي العلمي والسببهو تركها الحيادية النقدية لتتغلب النزعة الانفعالية على توجهاتها السيوسولوجية. ربما لانها رأت أن غسان كنفاني الذي كان قد أتى والواقع السياسي والاجتماعي يضطرم من حوله،لم يستكن لهذا الواقع، وظل يقاوم بفعله الانساني وكتاباته الابداعية.
وفي الوقت الذي تهيمن فيه ذكورية النقد علىرضوى عاشور، فإننا نجدها تحاول التملص منه بالنقد الانطباعي مظهرة نزعتها الانثوية سواء في التعاطف مع المادة النصية المدورسة أو في المؤازة لصاحبها بداوع شعورية ولا شعورية، أساسها الرغبة في أن تستنطق المرأة الناقدة ذاتها منفسة بذلك عن عهود طويلة من الاضطهاد والعزلة اللتين مورستا ضدها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش