الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شارع عتيق وطريق أخرى إلى السوق في مادبا!

تم نشره في الجمعة 26 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً


ماجد شاهين
وإذ أحاول، أن أخصّص يوما ً أو أكثر في الشهر أو في الأسبوع لإعادة اكتشاف واسترجاع الصور والمشاهد والحجارة ووجوه الناس وخطوات الطفولة والصبا.
وذلك يكون بأن ّ أقترب، مثلا ً، من منزلنا القديم في شارع ميسلون بمادبا، في بيوت آل أبو دقر الخمّاش جوار كنيسة الروم الكاثوليك/ قرب دوّار البلديّة، وأقف إلى جوار السور حيث تتدلّى وارفة أغصان بيلسانة عتيقة وبجوارها ياسمينة تفوح، وفي الداخل دالية وليمونة.. فأتناول « قطف حصرم « كما كنت أفعل وأحمل في يدي ما يلزم من ملح وأبدأ في التهام العنب الحامض.. وأقطف ليمونتين صغيرتين وأضعهما في جيبي لحين الحصول على رغيف ينفع لكي يحتضن الليمون، هكذا كنت أفعل.. وأمد ّ يدي فأقطف من الياسمين ما يكفي ليملأ رئتي ّ، أشمّه وأضمّه وأطوّحه في الهواء إلى هناك وأقول: اذهب أيّها الياسمين إلى حقلها واقريء روحها السلام.
ويمكن ان أروح في الشارع باتجاه الشمال، فأرى عند آخره ملامح الراحلين، على سبيل الاستذكار وليس الحصر، وجه وصورة العم كامل المصاروة، والعم غالب أبو ناصر والدكتور ميشيل المعايعه والعم سالم الفرّاج والعم يوسف الصوجان الفراج والعم خليل الجبالي والعم صليبا المصو  والأعمام الراحلين من آل برهم ومنزل ملحيس  والعم عبدالفتاح أبو دقر والعم ياسين أبو دقر والعم سعيد أبو دقر والعم المرحوم جريس أبو الزلف كان أسرته تسكن المنزل العتيق الواقع في بدائة الشارع، رحمهم الله جميعاً.. هؤلاء كانوا قبالة العين في الشارع على استقامته، أمّا في تفرّعات الشارع فكانت أسماء كبيرة كذلك ورائعة.
وكان في نيّتي أن أصعد قليلا ً إلى الدوّار وأميل في اتجاه السوق مرورا ً بقرب كنيسة الروم واقتراباً من مسجد المدينة العتيق، وأقف هناك في المربّعة، مربعة أبي الزلف، وأبيع الناس ما يشتهونه من الفلافل وساندويشات الحبّ، كما كان يفعل الراحلون من أهلي، وأرى الوجوه الجميلة المبتهجة تطرح وتتبادل المرحبا والسلام.
وأرى أن الحكاية لا تكتمل إلا ّ بالانزياح باتجاه « طلعة الدير « ثم ّ الانعطاف قليلا ً بعد مقهى «عمر الواوي» العم الغالي رحمه الله، وهناك في التراب أو في الفراغ الذي لا يزال على حاله، أنادي على «ماجد» في القماط قبل ستين سنة إلا ّ سنة.. هناك حيث ُ ولدت ُ وبُشِـّر َ بي ولدا ً صبيّا ً.
وفي البال أن أصعد باتجاه مدرستي الأولى، فأرى غرفتي الصفيّة الأولى، حيث تعلّمت الحرف والكلام والكتابة والمحبة، وللمناسبة فإن ّ المدرسة لا تزال على حالها.
وقد أذرع ُ شوارع المدينة، جيئة وذهابا ً لكي أسمع أصوات الناي وأجمع ما تركته «آلات الحصاد» التي كانت تتوقف طويلا ً عند محددّة العم المرحوم « أبو حسن الجريري وشقيقه عبد الله، رحمهما الله، في دكاكين العم المرحوم عطا الله المنصور (أبو نايل) رحمهما الله، ودكاكين أعمام راحلين رحمهم الله ومنهم العم الكبير الحاج محمد البشير الشوابكة والعم سالم الفرّاج و العم حنا زاده والعم مجلّي الشوابكة والحلاّق الأشهر إفتيم أبو إلياس والعم ّ أبو نافز حمّاد والعم خليل القسوس والعم يعقوب العلم والعم الحاج ضيف الله والعم أبو بكر أصلان وآخرون عديدون لا يمكن حصرهم هنا..و هناك كانت لنا ذاكرة ولا تزال.
والأماكن كثيرة والذاكرات غالية وواسعة ومربكة ومفرحة وقاسية.
في كلّ مكان لي حكاية ودفتر وو وجوه أحبّة.
في كل شارع، حفرت من ملامحي ما يكفي لكي يُضاء الشارع بالخير ولو بعد حين.
عند كلّ شجرة، داعبت الأغصان وغنـّيت لها عن الزمن الجميل وعن بلاد المحبوب وعن الأمّهات النبيلات والآباء الطيّبين وعن الحارات التي تكتم السرّ ولا تبوح.
...
كان في نيّتي أن أفعل وأكثر، لكنـّني أكتفي بالشوق وبالذاكرة والحلم وبالصور التي نحملها عن الآخرين ويحملونها عنّا.
فالمنزل تهدم وأنشأ أصحابه بناية أخرى لا شجر فيها ولا بيلسان.
و المحددة صار في مكانها محالّ تحف ومن فوقها مطعم سياحيّ والمربعة صارت سوقاً للّحوم المجمّدة والأدوات المنزلية.
و وجوه عديدة غالية راحت في الفقد والغياب.
و نساء الحارات الوقورات، اللواتي كنّ ينادين علينا ويسألن عن الأحوال وعن الأيام، لم نعد نعرف عنهن ّ شيئا ً.
والجيران، الجيران والخلاّن، كلهم انشغلوا في الحياة فغابوا أو انشغلوا في الموت فغابوا.
و مدرستى الأولى، التي تعود ملكيّتها للعمّ الشيخ المرحوم شريف أبو الغنم، بقيت على حالها وتسكنها عائلات.
...
لم تعد الليمونة على حالها ولا البيلسانة ولا عش الحمام، لم تعد المطارح على حالها، لم يعد ينفع الكلام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش