الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السيجارة الإلكترونية: حقائق مجردة

تم نشره في الأحد 28 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً
د. فراس إبراهيم الهواري

انقسام كبير تشهده الأوساط العلمية عامة والطبية خاصة بسبب ما يُعرف بالسيجارة الإلكترونية. ويعود أحد أكبر أسباب هذا الإنقسام، على الأقل في الوسط الطبي، لتنافي التعامل مع هذه السيجارة والترويج لها مع القواعد الأساسية الأخلاقية التي درج عليها ايصال أي تداخل علاجي دوائي أو جراحي إلى المريض، حيث درج العُرف الطبي أن يكون إيصال أي علاج مبنيا على ثلاثة أسس على الأقل وهي: حق المريض بالاستقلالية في تبني العلاج والاستمرارية فيه، وتقديم ما يعود بالفائدة على المريض، والثالث وهو الأهم، عدم الإضرار بالمريض من خلال هذا العلاج، ومن هنا فإن القيام بالترويج للسيجارة الإلكترونية اليوم يتعارض مع هذه المبادىء جميعها.
فالسيجارة الإلكترونية تقوم بإيصال مواد شديدة الإدمانية على رأسها مادة النيكوتين التي تجعل المستخدم مسلوب الإرادة وفريسة لهذا الإدمان، كما أنه لا يوجد أي فائدة تعود على الأشخاص المستخدمين لها وهي قطعا ليست خالية من الأضرار.
وعلى الرغم من تفهمنا الكبير لما يحاول أن يقوم به العديد من الزملاء في القطاع الطبي محليا وعالميا من ترويج لهذ السيجارة كخيار أقل خطورة من السيجارة العادية وبديل قد يجنب الأشخاص المدخنين العديد من الأمراض إلا أنه لابد من التنويه الى أن هذه التوصيات للأسف مبنية على أساس علمي جُله يعتمد على القياس وليس الدراسات العلمية المُتعارف عليها في الأوساط الطبية والتي يعتمد عليها العلم في اتخاذ القرارات النهائية فيما يتعلق بالتوصية بعلاج ما والمبنية على أساسين رئيسيين هما: الأمان والفعالية، وهنا نقع مرة أخرى بالتناقض عندما نقوم بتسويق منتج على أساس أنه أقل خطرا بدلا من أن نسأل أنفسنا هل السيجارة الإلكترونية آمنة وفعالة وما الذي نرجوه منها من حيث الفعالية.
دعونا نستعرض الشق الأول: هل السيجارة الإلكترونية آمنة للاستخدام؟.
تقوم الدعايات التي تسوق للسيجارة الإلكترونية على أساس وحيد وهو أنها لا تحتوي على مادة التبغ وليس هناك احتراق، كما أن المواد المنبعثة منها أقل عددا من المواد المنبعثة من السيجارة العادية. وقد يكون هذا الأسلوب للوهلة الأولى مقنعا إلا أنه يغفل وبشكل كبير حقائق مهمة لا بد من وضعها أمام كل من يود استخدام هذه السيجارة حتى يكون لديه المعلومات الكافية لاتخاذ القرار الأسلم له، وهذه الحقائق هي التالية:
عندما نتحدث عن السيجارة الإلكترونية فنحن لا نتحدث عن نوع واحد منها بل هناك ما يزيد على 450 نوعا في الأسواق وهذه الأنواع في تزايد مستمر.
تختلف هذه الأنواع من حيث المواد المستخدمة فيها، وقوة البطارية المسخنة للسائل وتركيز النيكوتين فيها، لا بل وهناك مواد كيميائية تتواجد فيها بتراكيز أعلى من السجائر العادية منها ما هو مسرطن ومنها ماهو مسبب لأمراض القلب والجهاز التنفسي.
أثبتت الدراسات العلمية أن عددا لا بأس فيه من هذه الأنواع يحتوي على معلومات مُضللة خاصة فيما يتعلق بتركيز النيكوتين، فقد كشفت هذه الدراسات أن تركيز النيكوتين في بعض هذه الأنواع والتي كانت تروج على انها خالية من النيكوتين كانت في الواقع تحتوي على تراكيز مشابهة أو أعلى من السيجارة العادية.
ذلك كله سيوقع العامل في القطاع الصحي في حيرة من أمره إذا ما سأله أي راغب في استخدام هذه السيجارة، فتُرى أي نوع سيقوم بوصفه؟ وهل يعلم بالتحديد ما هي المواد الموجودة في هذا النوع؟ والأهم هل يثق بما هو موصوف على نشرة المحتوى؟ كل ذلك يعني أنه من المُحال أن نقوم بتقديم النصيحة الآمنة للسائلين عن أي نوع يمكن استخدامه من هذه الأنواع.
أما ما تسببه هذه السيجارة من أمراض فقد بدأت الدراسات الآن تتوارد تباعا عن هذه الآثار السلبية ومنها التسمم الحاد بمادة النيكوتين والذي غالبا ما يؤدي الى تسارع في ضربات القلب والصداع والقيء.وفي دراسات حديثة تم نشرها عامي 2018 و 2019 تم الكشف عن تسبب هذه السيجارة في أمراض القلب والأوعية الدموية وزيادة في احتمالية الإصابة بالذبحة الصدرية أو الجلطة القلبية بحوالي 59% وزيادة باحتمالية الاصابة بالسكتة الدماغية بما نسبته 70% وأمراض القلب عامة بنسبة 40% اضافة الى تزايد احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي عامة والربو بشكل خاص. كما أثبتت الدراسات تأثيرها السلبي على صحة الفم والأسنان،هذا إضافة للإدمان على النيكوتين. وبالرغم من حداثة عهد هذه السيجارة، إلا أننا نرى أن الأدلة العلمية باتت متعددة ومُقنعة بأن هذه السيجارة لا يمكن أن تُعد خيارا آمنا لمستخدميها.
وعلى الرغم مما تسوق السيجارة الإلكترونية له على أنها بديل وطريقة فعالة للإقلاع عن السيجارة العادية، لم تثبت الدراسات حتى الآن نجاحها في هذا المجال، بل على العكس أصبح هناك زيادة فيما يسمى بذوي الاستخدام المزدوج والذي اثبتت الدراسات أنه أشد خطورة؛ لما يؤدي من تراكم كبير للمواد السامة في رئة الأشخاص المدخنين للسجائر العادية والإلكترونية معا (ذوي الاستخدام المزدوج)، وكانت أحدث دراسة أظهرت احتمالية نجاح السيجارة الالكترونية في مساعدة الاشخاص في الإقلاع عن التدخين ضعيفة في التصميم وباهتة جدا من حيث النتائج.
إضافة إلى كل ما سبق، سنسلط الضوء الآن على الخطر الأكبر الذي نتج عن ترويج السجائر الالكترونية والذي يعد اختراقا وإفشالا لكل جهود مكافحة انتشار التبغ في العالم. فبعد طرح السيجارة الإلكترونية في الأسواق بدأت الدراسات العلمية تظهر أن هذه السيجارة قد نجحت في تجنيد جيل جديد من المدخنين لم يكن ليدخن لولا استخدامه لهذه السيجارة حيث وضحت الدراسات أن الشباب وخاصة المراهقين قد أقبلوا عليها معتقدين بأنها خيار آمن وأقل ضررا من السيجارة العادية، ومن الجدير بالتنويه إلى أن هذه النتائج كانت لدى الشباب الذين لم يكونوا ليُقدموا على التدخين لولا استخدامهم لهذه السيجارة.
فتسببت السيجارة الإلكترونية باستخدام والبدء بتدخين السجائر العادية عند 30% من مستخدمي السجائر الإلكترونية، وزاد استخدام السجائر العادية عند مستخدمي السجائر الإلكترونية أربعة أضعاف مقارنة بغير مستخدميها، وتسببت بالتالي بانحسار النجاح الكبير الذي تحقق عالميا على مستوى خفض نسب التدخين بين الأفراد.
بناء على ما تقدم نستنتج أن السيجارة الإلكترونية ليست خيارا آمنا ولا فعالا ولا تؤدي الى أي فائدة عند استخدامها. ومن هنا يجب أن يبقى استخدامها محصورا لدى فئة معينة عجزت عن الإقلاع عن التدخين باستخدام الأساليب العلمية المُثبتة فقط مع الأخذ بعين الاعتبار ابلاغ هؤلاء المستخدمين بعدم معرفتنا التامة بحقيقة ما تسببه هذه السيجارة من أضرار ومن احتمال ظهور أمراض أخرى غير ما اعتدنا عليها نظرا لغياب الأبحاث العلمية حاليا والتي بحاجة لسنوات عديدة حتى تقوم برصد هذه الأمراض. ففي القرن الماضي كان الفارق الزمني 20 عاما احتاجها العلم للتعرف على ما تسببه السيجارة العادية من أمراض. كما يجب العمل على الحد من انتشارها المحموم بين أطفالنا في المدارس وتشديد العقوبات والمخالفات والعمل على تشجيع حظر التدخين في الأماكن العامة وتطبيق قانون الصحة العامة رقم /200847 لخلق جيل جديد واع لمخاطر التدخين بكافة أنواعه.
وفي خمسينات وستينيات القرن الماضي طرحت علينا شركات التبغ فكرة تسويق أنواع معينة من السجائر ومن ثم السجائر ذات الفلاتر على أنها أقل ضررا وتحتوي نسبا أقل من القطران والمواد الكيميائية السامة، وكان أكبر المُروّجين لهذه السجائر في الدعايات والإعلانات هم الأطباء وذلك لحرصهم واندفاعهم لتوفير ما قد يُخفف المُعاناة والمرض. وجاء بعد ذلك ترويج السيجارة الخفيفة (Light) والقائم على نفس المبدأ أنها أقل ضررا حتى أثبتت الدراسات خطأ هذه الاعتقادات وقام الأطباء بتقديم اعتذاراتهم لتقصيرهم وتسرعهم بالتوصية بها، ومن ثم احتاجت مؤسسات الغذاء والدواء الى 50 عاما حتى تنجح في إلغاء تسويق هذه السجائر على أنها خيار أقل ضررا.
من هنا أدعو الى التأني وأخذ الوقت الكافي والتعامل مع السيجارة الإلكترونية بحذر وإخضاعها الى الإجراءات نفسها التي تمر بها الدراسات الدوائية حتى لا نضطر للاعتذار مرة أخرى وما أشبه اليوم بالبارحة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش