الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سمير سمعان: حرب 1948 سبب فراقي عن عائلتي وتوأمي المتشابه 16عاماً

تم نشره في الأربعاء 15 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً

 يحمل حقيبته التي تحوي كتاباً عن قريته طرعان وكراسات تعليم اللغة العبرية اينما ذهب، البحث والتأريخ لفلسطين قضيته وقضية العروبيين بات محور حياته التي قضى سنوات طفولتها في أجمل بقاع العالم وأبهاها واكثرها قيمة طبيعية حباها لها الخالق ودينية وتاريخية اكتسبتها على مر السنوات والاحداث، وقرر تخصيص شبابها وكهولتها لقضيته والبحث في خفايا تاريخ الاحتلال المشوه وخاصة ما يتعلق بقضايا التعليم والمناهج بالاضافة الى تدريس اللغة العبرية لاجيال لاثراء معرفتهم عن عدوهم والدفاع عن التاريخ والقضية. الاستاذ سمير جميل أسعد سمعان يسرد لنا حكايته: « انا من قرية طُرعان قضاء الناصرة، مواليد العام 1941، تماما في 23-7 في هذا التاريخ اشتعلت الثورة المصرية ضد الانجليز بقيادة جمال عبد الناصر.

قريتي طرعان جبلية وسهلية في ان واحد، السهل امامها والجبال تحيط بها من الشمال والغرب والشرق، بالرغم من مجود طبيعة سهلية في المناطق الغربية والشرقية وفي الجنوب في قرية الشجرة والقرى الاخرى المحيطة بها، نعتبر ان هذه اللبلدة اضحت بلدة زراعية تجارية صناعية، اذ يعمل قسم كبير من اهالي هذه البلدة في الزراعة والصناعة اضافة الى ان هذه البلدة بدأت في العقود الاخيرة تهتم باقامة المطاعم على شكل منتزهات خاصة في المنطقة الشرقية على طلريق مدينة طبريا على بعد 12كم. وكانت تلقب بكويت الجليل، لرفاهية العيش فيها وكثرة الاعمال المتوفرة هناك.
كان عدد سكانها في عام 1948 حوالي 1500 نسمة، وكان فيها مدرسة حكومية واحدة في حين انها دخلت في اطار العملية التربوية منذ القرن التاسع عشر وكانت تشرف على الاطار التعليمي الجمعية الروسية الفلسطينية وقد خرجت طلابا تابعوا العملية التربوية بحيث تمكنوا من الحصول على بعثات للدراسة في اميركا في تلك الفترة، وقد ورد هذا في المراجع والمصادر التي كانت تنشرها هذه الجمعية. وكان التعليم فيها مختلط، وكانت كانت مدرستها تشمل كل المراحل الدراسية.
طريقة بناء البيوت والمنازل كانت على نمط البناء الحجري والاسمنت المسلح، وبعد احتلال بريطانيا لفلسطين لم يتغير هذا النمط، وانما تكاثر عدد السكان بشكل ملموس واصبح من الضرورة بمكان تخصيص بعض الاراضي الزراعية للبناء لاسيما بعد ان احتلت فلسطين من قبل العصابات الصهيونية وبعد ان تنامى التكاثر السكاني حيث استوعبت هذه البلدة عددا من العائلات الفلسطينية التي هدمت قراها واضطرت الى اللجوء الى هذه القرية، قدموا خاصة من قرية لوبيا والشجرة وقرى لواء بيسان والقرى المجاورة ايضا لمناطق مرج ابن عامر بسبب تعرضها للهدم والتدمير.
كانت قريتنا زراعية يعمل فيها الناس بالزراعة، مساحة الارض الزراعية التي يعملون فيها تبلغ 30 الف دونم والجبال المحيطة بها كانت تزرع بالزيتون والفواكه وكروم العنب، الى جانب الزيون وخاصة ما يعرف بالزيتون الروماني والجليل يشتهر بهذا.
وفيما يخص العادات والتقاليد، تواصل الفلسطينيون في هذه البلدة التي يسكنها المسلمون والمسيحيون ولم يسكنها اليهود قط، باحياء الاعيلاد والمناسبات المسيحية والاسلامية كما ان العلاقة الوطيدة بين المسلمين والمسيحيين كانت طيبة ومتجذرة خاصة في الاعياد والمناسبات الدينية اضافة الى المؤازرة والمحبة والتعاون والشعور المشترك بتاريخ هذه البلدة كجزء من فلسطين الكلية، كانوا دائما يتفقون على زيارة الاماكن المقدسة بدءًا من الناصرة مرورا بحيفا ويافا واستمرارا الى مدينة القدس والخليل.
تربيت دون اخوتي عند جدي وجدتي لابي في بلدنا طرعان لان جدي وجدتي لامي من حيفا، اضف الى ذلك انني كنت توأما لشقيق لي وكان لوالدي ووالدتي الذين كانا يقيمان في الرملة - بحكم عمل والدي في سلك الشرطة الفلسطينية - ابناء وبنات كثيرون فعندما انجبتنا امي انا واخي التوأم جوزيف في طرعان لم تستطع العودة بنا الى الرملة والاهتمام بنا جميعا على الوجه الامثل لان عددنا كان عشرة آنذاك، فاضطرت الى تركي عند جدي وجدتي في طرعان؛ لانها رأت ان صحتي ليست كما يجب كتوأمي فتركتني لتعتني بي الجدة رحمها الله، واخذت توأمي معها مع البقية وعادت الى مدينة الرملة، وكان جدي وجدتي ياخذاني وعمري اشهرا معدودة لعلاجي في حمامات طبريا العلاجية وعلى ساحل البحر المتوسط في حيفا حيث كانوا يغمرونني برمل البحر لاسترد عافيتي، وهنا اتوجه الى ذكر عمي المناضل والد زوجتي المرحوم امين اسعد سمعان وزوجته المرحومة سهام فقد توليا تربيتي ومتابعتي في دراستي وتعليمي وتوجيهي نحو الوطنية والاهتمام بالقضية، وهذا سبب فراقي عن عائلتي واهلي وتوأمي طيلة 16 عاما لان وقوع نكبة العام 48 حالت دون عودة امي وابي لاخذي، فقد اضطر اهلي الى اللجوء الى الاردن هم وقسم كبير من سكان الرملة واللد خاصة بعد مذبحة جامع دهمش التي ارتكبتها عصابات الهاجاناة (الدفاع) الصهيونية بزعامة دافيد بن غوريون، واسحق رابين وغير من المجرمين الآخرين. وهنا اريد ان اضيف معلومة يعرفها القلة ان دافيد بن غوريون اول رئيس لوزراء الكيان الصهيوني قد شارك في معركة الشجرة التي وقعت في شهراذار العام 1948 بعد ان تواصلت المناوشات والاعتداءات منقبل عصابات الهاجاناه وليحي وشتيرن بقيادة مناحيم بيغن منذ العام 1946.
وفي شهر اذار عام 1948، امتدادا لنهاية شهر ايار من نفس العام قامت العصابات الصهيونية بدعم من الاحتلال البريطاني بشن هجماتها الاجرامية على المواطنين العرب من اهل القرية وعلى المواقع التي تمركز فيها المقاومون العرب من القرى القريبة المجاورة من قضائي بيسان وسهل مرج ابن عامر، وفي شهري نيسان وايار، مع دعم سلطات الانتداب البريطاني قامت هذه القوى المسلحة بقيادة بن غوريون واسحق رابين وغيرهم من الضباك الصهاينة بشن هجمات مكثفة على المجاهدين العرب فاضطر اهالي قرية الشجرة الى اللجوء الى قرية طرعان واضطر قسم كبير منهم الى التوجه الى سوريا فلبنان وكان يطلق على المستوطنة التي أنشأها الصهاينة بالقرب من الشجرة اسم ايلانيا حتى يمحوا كل اثر عربي في هذه القرى مثل الشجرة ولوبيا سواء في قضاء الجليل او طبريا او بيسان.
اذكر تماما ما حدث في يوم 15 ايار 1948، فقد كنت ابلغ من العمر 7 اعوام، وما ساعدني على الاحتفاظ بهذه الذكريات المؤلمة طردنا من قريتنا طرعان الى سهل البطّوف شمال قريتنا بين قريتي «عرابة البطّوف» ورمّانة والعزير وغيرها من القرى، ففي ذلك اليوم شاهدت مواكب الشهداء الذين كان الكيان الصيوني يلقي بهم على الطرق بعد استشهادهم، وفي ذلك ايضا اليوم دخلت العصابات الصهيونية طرعان و كامل القرية واخرجت الناس من بيوتها وهددتهم بالثبور وتدمير القرية اذا ما حاول احد ابناء القرية التصدي لهم، بالمقابل قامت عصابات الاحتلال بطرد اهالي الشجرة كليا من قريتهم فاضطروا الى اللجوء الى سوريا ولبنان والاردن وكما هو معروف فكانت عائلة المرحوم فنان الكاريكاتير ناجي العلي واحدة من العائلات التي لجأت الى سوريا وفي ذلك الوقت اضطر اهالي الشجرة ان يحملوا امتعتهم وفراشهم الى قرية طرعن للحفاظ عليها في حال عادوا الى قريتهم، وهنا قصة طريفة وقعت اذكرها اذ ترك اهل الفنان ناجي العلي فراشهم وامتعتهم في بيت جدي لان نحفظها لهم لحين عودتهم كباقي عائلات الشجرة، لكنهم لم يكن يعلموا ان خروجهم المباغت منها كان بلا عودة.
في طرعان والتي بسبب قربها من الشجرة اذ تفصلها عنها مسافة قصيرة جدا فرض منع التجول وهدد الاهلون بالقتل اذا ما حاولوا التصدي لجيش الاحتلال، لكن الاهالي في طرعان والشجرة حاولوا التصدي للعصابات الصهيونية بما يملكون من اسلحة وادوات فوقعت مجزرة الشجرة والتي سقط فيها عشرات الشهداء وقاموا فيما بعد بسجن ما يزيد على 65 شابا ولعل من ابرز من استشهد في هذه المعركة من طرعان في الشجرة سليم زرعيني وعبد عمر زرعيني ومحمد عبد العزيز عدوي ومحمد مصطفى اسعد ومحمد لافي نصار ومحمود لافي دحلة ومنيزل سليم صباح ونمر قاسم عيساوي،وفضل اسعيد سمعان وهو ابن عم والدي وتم استشهاده وهم عائدون من مدينة حيفا الى قريتهم طرعان حيث قامت مجموعة من العصابات الصهيونية بالتعدي على باص اطفال المدرسة واطلاق النار عليهم مما ادى الى استشهاد عدد كبير منهم ومنهم ابن عمي فضل وكلن عمره 10 سنوات، اضافة الى استشهاد رشاد راضي بشارة مع مجموعة على الحدود اللبنانية الفلسطينية في مطلع السبعينات، وكان عمره حوالي 20 عاما.في ذلك العام 48 كنا انا وجدي وجدتي نشعر بالقلق والخوف على مصير عائلتي الى ان تيقنا فيما بعد انهم مقيمون في عمان في الاردن، بعد رحلة هجرة قاسية جدا لامي وابي واخوتي التسعة من الرملة الى رام الله الى القدس الى عمان. انا وجدي وجدتي بقينا في طرعان وانهيت الصف الثامن فيها ثم انتقلت الى مدينة الناصرة لمتابعة دراستي حتى الصف العاشر وبعد ذلك جاءنا خبر من والدي الذي اتصل بجدي وابلغه انه يقوم بالسعي لحاقي بهم الى الاردن عن طريق هيئة الامم وهكذا التحقت بعائلتي، تركت جدي وجدتي في طرعان وعمي والد زوجتي فيما بعد، كان شعور مغادرتي لطرعان مليء بالحزن والالم لانها كانت حياتي، قضيت فيها طفولتي الجميلة وصباي واجمل الذكريات مع جدي وجدتي واصدقائي وابناء عمومتي، وفي عمان كان اهلي قد اقاموا في جبل الاشرفية، حصلت هناك على شهادة «المترك» وثم شهادة دار المعلمين فالشهادة الجامعية الاولى وتخرجت من الجامعة اللبنانية وتزوجت هناك.
وفي الختام اؤكد على انني لن انسى طرعان والاقامة فيها واهلي وزملائي من ابناء القرى التي هدمت في العام48 مثل الشجرة ولوبيا وابناء القرى من طبريا ممن هجروا عنوة، واقول وانا الآن ليس بامكاني العودة الى قريتي انني اتمنى ذلك.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش