الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

القاص غسان عبدالخالق: رمضان يوقف اغترابنا ويعزز حنيننا

تم نشره في الخميس 16 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً

 

عمان - عمر أبو الهيجاء
شهر رمضان الكريم له إيقاعه المختلف عن بقية شهور السنة، فهو شهر التصالح مع النفس والآخرين، شهر تتجلى فيه الروح بتأملاتها بعظمة الخالق، شهر يأخذنا إلى تنقية الروح وغسل الأرواح من الذنوب ومراجعة الذات، لرمضان عند كافة الناس طقوس خاصة يمارسونها بأشكال مختلفة، وخاصة الكتاب والأدباء لهم طقوس ربما تختلف عن غيرهم في رمضان من حيث قضاء أوقاتهم سواء في الكتابة أو القراءة أو ربما الاستراحة من التحبير في الشهر الكريم والتفرغ إلى العبادة والتواصل مع الآخرين في الأمور الحياتية.
«الدستور» في «شرفة المبدعين» تلتقي كل يوم مع مبدع أردني أو عربي وتسأله عن طقوسهم الإبداعية في رمضان، وإيقاع هذا الشهر الفضيل بالنسبة لهم، والعادات والتقاليد عند المبدعين العرب في بلدانهم، في هذه الشرفة نلتقي القاص والكاتب د. غسان عبد الخالق، فكانت هذه الرؤية:
لماذا نحب «رمضان» رغم مشقّات الصوم وانقلاب أحوال عاداتنا اليومية؟ سأسمح لنفسي بالإجابة في ضوء تجربتي الداخلية الشخصية وهي إجابة غير ملزمة لغيري دون ريب. أحب «رمضان» لسببين رئيسين هما: تجاوز الاغتراب الذي يسربلنا طوال أحد عشر شهرًا في كل عام، من خلال السعي لإعادة الالتحاق بالحقيقة لمدة ثلاثين يومًا تقريبًا. واستعادة حنيننا الأبدي للطفولة وذكرياتها. إنهما دافعان نموذجيان ووجيهان فيما أرى، فالأول منهما دافع موضوعي بحت والثاني منهما دافع ذاتي بحت، وهل هناك ما هو أجمل من تشابك الذاتي بالموضوعي؟!
بخصوص الدافع الأول (الاغتراب)، وبالمعنى الفلسفي الذي أرساه هيجل، أجد أن إيقاع الحياة الاستهلاكية المتوحشة قد تعاظم حتى حجبنا عن الحقيقة المطلقة والأكبر في هذه الحياة وأعني بها (الله) الذي يمثل الحق والخير والجمال بلا حدود. وكلّما أوغلنا في إشباع حاجاتنا المادية اليومية التي لا تنتهي، بل تتكاثر على مدار الساعة، بتكاثر مغريات السوق، ازددنا ابتعادًا عن فردوسنا المفقود أو براءَتنا الأولى، لتغدو تدريجيًا مجرّد آلات صمّاء، تتحرك وتأكل وتشرب وتتناسل وتنام، دون تفكير بمعنى الحياة أو جدواها أو غايتها.
وفي ضوء تجربتي الداخلية الشخصية يمثل «رمضان» محطّة تنبّه واستراحة، تتسع للقيام بتصميد جروح الروح والنفس – وما أكثرها- عبرالاقتراب الطوعي من الخالق العظيم، بالامتناع الطوعي عن المأكل والمشرب وسائر الحاجات التي تغذي أنانيتنا وغرورنا، فضلاً عن الالتفات الطوعي لحاجات غيرنا من الفقراء والمحتاجين.
وأما بخصوص الدافع الثاني الذي يبدو لي متداخلاً جدًا مع الدافع الأول، فهو إشباع حنيننا لطقوس ومراسم الزمن الجميل المتمثّل في طفولتنا الأولى – ولكل واحد منا زمنه الجميل بغض النظر عن ظروف طفولته- وكأننا نستعيد آباءَنا وأمهاتنا وأشقاءَنا وأقاربنا وجيراننا وروائحنا وأصواتنا وحكاياتنا، ونعمل على إعادة إنتاجها وصيانتها سنويًا. ولذلك، فإنني لا أستطيع التوقف عن الافتتان سنويًا بسيمياء «رمضان» بدءًا من زينته مرورًا بروائح الأطعمة المرتبطة به وليس انتهاء بصوت أذان المغرب وضجيج المسحراتي.وأحسب أن ثمة تجربة وجودية فريدة ينطوي عليها «رمضان» وهي: الإحساس الاستثنائي العميق بدلالة الأكل بعد الصوم والشرب بعد الظمأ، وعلى ذلك قس إحساسك بسائر مفردات حياتك التي بدت لك طوال أحد عشر شهرًا ضربًا من الروتين القاتل أو ضربًا من تحصيل الحاصل، مثل احتساء فنجان قهوتك بل حتى مثل تدخين سيجارتك، فما بالك بدلالة الممارسات العليا مثل القراءة والكتابة والمشي والتأمّل!
قراءاتي في شهر رمضان تميل إلى التكثيف والانتقائية، لكنها في كل الأحوال تبدأ بالقرآن الكريم وتنتهي به، ومن ذاق عرف. أعني أن لقراءة القرآن في «رمضان» مذاقًا مختلفًا لا يخطئه العارف الذي أدمن المرور بالآيات نفسها لتتكشّف له في كل مرة عن معان ودلالات لم يقف عليها سابقًا، كما أدمن مراجعة بعض المصادر والمراجع القديمة والحديثة، التي لا تنفك عن الانكشاف أيضًا ومجدّدًا. لكن الكتابة في هذا الشهر – وخاصة ما بين الساعة الحادية عشرة قبل منتصف الليل وحتى الساحة الثانية بعد منتصف الليل- تغلب علي وتغلبني ولا أملك أمام تدفقها إلا الانصياع والاستكانة.
ولا مانع لدي من الاعتراف بأنني في «رمضان» أميل إلى ملازمة البيت، حرصًا على امتياح أكبر قدر ممكن من الإحساس بالامتلاء الروحي الذي يعبق به هذا الشهر. وباستثناء حماستي لذلك الاجتماع العائلي الذي يضم الوالد والوالدة والأشقاء والشقيقات والأبناء والبنات، وبعض الالتقاءات القصيرة ببعض الأصدقاء الذين يشاركونني أشواقي الروحية والفكرية، فإنني أتجنب الانخراط في كل المظاهر المقحمة على «رمضان»، لأنني أعتقد جازمًا بأن جوهره يتمثّل في الانقطاع عن كل ما عمّق اغترابنا عن الحقيقة، وعن كل ما يبدّد حقّنا المشروع في استعادة حنيننا إلى الزمن الجميل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش