الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في «أحزان الفصول الأربعة» للشاعر نضال القاسم

تم نشره في الجمعة 17 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً

 مجدي دعيبس
في هذه العجالة سأشير إلى الأمور التي شدتني أكثر من غيرها في قصائد مجموعة (أحزان الفصول الأربعة) للشاعر نضال القاسم لتأتي قراءات لاحقة وتلقي الضوء على الجوانب التي لم ترد فتكتمل الصورة وتمتزج الألوان وتتضح الأخيلة حتى تبدو كأنها من لحم ودم. هذه المجموعة هي السادسة للشاعر كما هو مثبت على صفحة المعلومات حيث صدرت الأولى عام 2003 وتحمل عنوان (أرض مشاكسة) وهذا دليل على أن الشاعر مخلص لشعره، يهجس به في صحوه ونومه ويرى فيه وسيلة للتخفيف من مرارة شعوره تجاه واقع يؤرقه ويأزمه. عنوان المجموعة يهيء القارىء لمناخ وأجواء معينة لكن يتضح له لاحقاً أن هذا الحزن وهذه المرارة مكتنزة بالروح العالية والمتوثبة وأن القلب ما زال فيه متسع للحب والفرح والحياة والشمس.
في البداية لا بد من الإشارة إلى أن قصائد المجموعة هي من شعر التفعيلة وليست قصائد نثر كما كنت أتوقع قبل أن أطّلع عليها. ومن هنا، من هذا المنطلق البسيط يبدأ المتلقي بالبحث عن موسيقى متطاولة ومعان وجمل صاخبة. 
الحس الغنائي يفوح من بعض القصائد أو المقاطع التي يمكن أن يجعل منها مغناة جميلة. وهذه الغنائية تأتي من سهولة المفردات وبساطة التركيب والروح الحماسية والعاطفة التي تطغى عليها كما أن الحروف تنساب من مخارجها بيسر وإيقاعية عالية يترنم بها القارىء دون أن يشعر بنفسه.سأورد بعض النماذج على سبيل المثال: المقطع الثالث من قصيدة (المنافي).. سأرسم منفى../ لتزهر حيفا/ وسط من مرّوا سؤال. المقطع الأخير من قصيدة (أوديسيوس الجديد).. لن يكسروا الإعصار/ لن يحجبوا الشموس عن جباهنا/ لن يهزموا مهر الرياح/ لن يكبحوا صهيله اللجوج والمبحوح/ الله! ما أحلاه!/ الله! ما أحلاه! ومن قصيدة (لشتاء خيل الذاهبين إلى يبوس).. يا أيها الشعب المعذب فلتثر/ واصرخ بوجه الغاصب المحتل: هذا موطني. ومن القصائد الأخرى التي تشتد فيها الموسيقى قصيدة (أنا يا أبي كالمطر) وقصيدة (مرحبا يا أبي) وقد تكون الأخيرة هي الأنسب حيث تشتمل على كافة المقومات من مفردات وصور وتدفق. ولعل هذه السطور تكون همزة الوصل بين الكلمة واللحن وتضاف قصيدة إلى القصائد التي تتغنى بالمقاومة والصمود والأمل والحياة. تصبح القصيدة مثل المرآة التي يرى فيها الأحرار أنفسهم فتتوقد البطولة ويشع التاريخ بمنارات تضيء عتمة الروح. شعرت وأنا اتنقل بين قصائد المجموعة أن الشاعر يريد أن يصل إحساسه إلى كل الناس وأن يرددوا كلماته في الحقول والمسارح والمدارس فرفع من وتيرة الإيقاع ومزج المفردة السهلة بالحس العالي، وأرى أنه قد وُفق إلى ما أراد.
يتكرر في نماذج الشعر العربي من امرؤ القيس إلى يومنا هذا استخدام عبارة (يا صاحبي) أو (يا خليلي) وقد تكون على صيغة المثنى أحياناً وربما كان الشاعر في سالف الأيام يخاطب الأصحاب والندماء لأن الشعر يتلى بحضورهم كما أن طبيعة العلاقة تجعل الصاحب أهلاً لبث الهموم والهواجس. لم أقصد من هذا التقديم إلا أن أقول إن الشعر الحديث في النماذج التي اطلعت عليها على الأقل أصبح يمازج بين استخدام (يا صاحبي) وعبارة أخرى هي (يا أبي) وهذا ما لمسته عند غير ذي شاعر. في قصيدة (مرحبا يا أبي..) يقول:(مرحباً يا أبي/ مرحباً يا صديقي النبيل/ مرحباً يا صديق البراري/ صديق البنفسج والزنجبيل/ مرحباً يا أبي). ويظهر هذا أيضاً بشكلٍ بارز في قصيدة (الخيل والليل) حيث يقول: (مثقلٌ قلبي المعنّى يا أبي بالنفي والبارود والدرب الطويل/ مثقلٌ قلبي المعنّى يا أبي/ ضاع مني الدليل يا أبي، والخيول التي غادرت لم تعد/ ضاع مني الدليل يا أبي فامدد يديك) ويستمر على هذا الأسلوب حتى نهاية القصيدة. ومن قصيدة (أنا يا أبي كالمطر) يقول: (أنا يا أبي كالمطر/ معلّقٌ في دهاليز السحاب وأنتظر/ أحدّقُ صوب المدى في كل شيء/ لأنقل سري إلى الكائنات/ قطرةً/ قطرةً). وربما ظهر هذا الأسلوب في قصائد أخرى بشكل عابر غير مكثف كما في قصيدة (إني متعبٌ)... (إني متعبٌ جداً/ ورثت من الحرب أوزارها والخواء/ موحشٌ ظلّ الهزيمة فوق بلدتنا الصغيرة يا أبي/ علقم طعم الشقاء). ولعل مرد هذا التوظيف المقصود أن الأب يشكل الجسر الذي يربط الأبناء بالأرض فعندما يتذكر الابن أباه يتذكر القمح وذكريات الندى والصباح والشمس وليالي السمر ومواسم الزيتون. الأب هو امتداد الأرض والشعور بالوطن وهو تماماً كما وضّحه الشاعر في الأهزوجة التي أوردها في قصيدة الخيل والليل (جملنا يابو نضال/ جملنا منومس الراس/ يللي قهوتك بتصب/ وفناجينك بين الناس)، هو عمود البيت وألمه موجعٌ كألم الوطن.
في قصيدة (أوديسيوس الجديد..) يبرز الاستخدام الجميل للأسطورة وتوظيفها لخدمة الغرض الشعري. قصة أوديسيوس المذكورة في الميثولوجيا الإغريقية ورحلة التيه في البحر لعشر سنوات وصراعه مع إله البحر بوسيدون وعودته إلى ايثاكا في نهاية المطاف. تشبّثَ أوديسيوس بحلم العودة حتى تحقق. يقول الشاعر: (فلسطينُ يا، فلسطينُ يا، فلسطين/ يا مهرة الشمس/ لا بأسَ/ لا بأسْ/ فليجرحوا..!/ وليقتلوا..!/ وليهدموا البيوت والقبور والمدارس/ وليقلعوا الزيتون والليمون والحبق/ لكنهم../ لن يسرقوا دفء البيوت/... ). في المقطع اللاحق يقول: (أخي يا سليل المنافي/ أخي الحائرُ الثائرُ التائه المتعبُ/ أيها المهر.. أوديسيوس/ حيث لا تمضي وينغلق الفضاء/ لا تطأطئ رأسك العالي/ تقدَّم.. باتجاه البحر في عز الظهيرة/ رابط الجأش تقدَّم، لا تبالي..) وفي المقطع الأخير (هذا أنا!!/ قلبي تمزَّق واحترق/ إني صحوتُ/ حان الموعدُ!!/ صفصافتي ذَبُلَتْ...وراحلتي لهيب النار/ فأنا هنا، لكنهم، أهلي هنالك في الحصار/ لُفّي ذِراعَكِ يا بلادي فوق جُرحي الطريّ../ إني عائدٌ.. سأكونُ نارا/ أنا لن أطأطئ هامتي أبداً/ سأكون جبارا). هذه الروح التي تنبثق من المفردات المشحونة والصورالمتلاحقةتستفز الطاقة الكامنة في النفوس فتتطاول حتى تمسك غيم السماء.
في قصيدة (كل شيء يذكرني بليلى)، حملت ليلى مفهوم الوطن بناسه ونساءه وأغانيه وورده وتلاله وبحره وثلجه وأسواقه. نُظمت هذه القصيدة في بكين كما هو مثبت في ذيلها. نظر الشاعر حوله فرأى الجمال والحضارة والعراقة في كل شيء (كل شيء يذكرني بليلى/ الأغاني التي أثقلتها التباريح/ رائحة البن في مطبخ البيت/ أقراطها البراقة الصفراء/ مرآتها المستديرة/ ثغرها المتبسم) في نهاية القصيدة يقول: (فيا للعجب!/ كل شيء يذكّرني بها.. والقلب يهتف:/ ما أصعب الانتظار).. هذه لهفة ولوعة للقاء ليلى، للقاء الوطن الذي يحلم به كما رسمه في خياله ووجدانه مئات المرات. ما أصعب الانتظار! انتظار الأرض والحلم والذكريات.هذه الكلمات فيها الكثير من المرارة وطيف مفارقة موجعة يلوح دون أن يتجّلى بشكل كامل.
لا يتسع المقام هنا للحديث عن كل قصائد المجموعة، على أن التي لم تُذكر هنا لا تقل شأناً عن شقيقاتها مثل (أعدُّ أصابعي والقلب يعتصرُ) وأيضاً (ميدوري). قصائد هذه المجموعة تكتظ بالجماليات من حيث سهولة الأسلوب ورقة المفردات التي تصل إلى موطن الإحساس فهي من السهل الممتنع وفيها الكثير من الشجن والحب والحماسة ولعلها أشجان الفصول الأربعة وليس أحزانها فالحزن يأتي عندما ينقضي الأجل لكنه لم يفعل بعد.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش