الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

القاصة تغريد قنديل في ذمة التاريخ الأدبي

تم نشره في الجمعة 17 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً

د. إبراهيم خليل
فجعت الأوساط الأدبية برحيل الكاتبة والقاصة الأردنية تغريد قنديل (1967- 2019) التي عُرفت منذ العام 1995 بصدور مجموعتها الأولى «أرملة الفرح» عن دار الروزنا، أتبعتها مجموعة قصص أخرى عن دار الفارس بعنوان «غادة البحر» 1997 وكانت قد فازت بالجائزة الأولى في القصة نظمتها رابطة الكتاب الأردنيين 1985 ثم فازت بجائزة أخرى في رابطة الكتاب – فرع إربد 1986 وبجائزة ثالثة للقصة القصيرة منحتها الدستور لأفضل كتاب القصة القصيرة عام 1987 ولتغريد قنديل، مثلما يعرف الكثيرون، إسهامات في كتابة الخواطر، والمقالات، التي نَشَرت منها الكثير في الدستور، وفي صحيفة صوت الشعب، وفي مجلة الحصاد، وغيرها من الصحف.
ومن يقرأ قصص تغريد قنديل يعجب لأنها لم تستمر في الكتابة، ولأنها آثرت الانسحاب، والصمت فيما كانت قصصُها المبكرة تنبئ عن ولادة كاتبة موهوبة، ومقتدرة، تعد بالجم الكثير من الإبداع الأصيل، والمبتكر،الذي لا تعوزه الجودة، ولا تنقصه الخبرة. هذا على الرغم من أنَّ الهموم النسوية تكاد تطغى، وتهيمن، على ما كتبته من قصص.
فهي تسلط الأضواء على نماذج من الرجال الذين يمكن للراوي – ببساطة- أن يعريهم من قشورهم المصطنعة، تلك القشور التي تغلف حقائقهم المضمرة بغلاف زائف يخفي طباعهم القذرة. فحازم، وهو بطل القصة الموسومة بعنوان(الوليمة) نموذج للزوج الديوث، الذي يفتقر للغيرة، ولا يجد حرجًا في أن تجالس زوجته، التي تنتسب لأسرة محافظة، غيره من الرجال، عارية الكتفين، والساقين، بل ربما دفع بها دفعا لمراقصة بعضهم في الحفلات، وقد يذهب لما هو أبعد من هذا، وأحطّ ، فيغض بصره عن نظرات أصدقائه لزوجته، ولا يستفزه أن يسمع منهم عبارات الغزل الصريح بها، وهو غزل يرقى إلى مستوى التحرُّش.
بيد أن القصة التي ترويها الزوجة تقوم على حبكتين؛ إحداهما ثانوية، لكنّ لها دلالة وتأثيرًا في نهاية الحكاية، فالزوجة تعثر عند عودتها إلى البيت من تلك الوليمة على عصفور بريش ملون، وتأخذه، وتعتني به، وتسجنه في قفص مذهب.. ولكن العُصفور لم تطبْ له الحياة في القفَص على الرغم من أنه ذهبي، إذ عثرت عليه بعد أيام وقد تدلى من أحد القضبان، بعد أن التفَّ أحد الخيوط التي وضعتها له في العشّ حول عنقه فمات مختنقا. وتهيّأ لها - وهي عديمة الخبرة بالطيور- أنَّ العصفور قد انتحر لما لقيه من ضيق في موطنه الجديد، بعد أن كان حرًا طليقا في الفضاء الرحب، فاستوعبت من هذا درسًا دفع بها لانتزاع حريتها، والتمرد على قفص الزوجية الذهبي، وقررت أنْ ترفض إملاءات حازم، وألا تصغي لبوق سيارته، وهو يستعجلها للذهاب إلى وليمة أخرى، وعندما ضجر من الانتظار، وقدم للبيت لاستعجالها، وجدها تنتظره وفي يديها طبقٌ، وسكين، وأخذت تهدده إن هو أصر عليها إصراره المعتاد على قبول مثل تلك الدعوات.
وتتكرر مثل هذه الأجواء في قصة أخرى بعنوان (حبٌ على الطريقة العصرية) فالساردةُ تتلقى دعوة من خطيبها لتناول الطعام في أحد المطاعم الفخمة، ذات الأجواء الارستقراطية الباذخة والرومانسية المفرطة. وعند استقبالها في الموعد والمكان المحددين، فوجئت به يقدمها لأصدقائه ذاكرا اسمها (سارة) من غير تعريف، فيما شعرتْ بأعينهم تفترسُها، وبأيديهم تمتد لتصافحها. وعلى هذا النحو الذي يذكرنا بقصة الوليمة، بدأت عبارات الغزل، التي تؤذي سارة، تنطلق من افواههم، وتسرّ الآخرين بمن فيهم صاحب الدعوة (عصام) الذي يستفزها بصمته، وبابتسامته البلهاء، وهو يسمع هاتيك المجاملات الوقحة. وهذا المشهد، الذي تتأنى الكاتبة الراحلة في وصفه، يشفُّ عن حقيقة واحدة، وهي أن عصامًا لا يختلف عن حازم في قصة (الوليمة) فكلاهما يريد أن يتسلق - طبقيًا - على كتفي زوجته، وأن يتخذ من جمالها سلَّمًا لتحقيق أهدافه، وهي في الوليمة تقرر الثورة على الرجل الديوث، وفي حبّ على الطريقة العصرية تغادر المائدة بغضبٍ بعد أنْ بصقت في وجوههم واحدًا تلوَ الآخر.
وتأبى الكاتبة تغريد قنديل- رحمها الله - إلا أنْ تدلف بنا عالم الطفولة، في قصة اختارت لها عنوان :(أرملة الفرح) ففيها تروي لنا الساردة (فرح) وهي طفلة صغيرة ألِفَتْ اللهو، واللعب، مع عدد من الأطفال بينهم طفل اسمه خالد أحبته قبل أن تعرف الحب بمعناه الجقيقي، وخالد هذا كان يقدم لها في اثناء اللعب خواتم يصنعها من أوراق ملونة من تلك التي تغلف بها بعض الحلوى، إلا أنَّ طفلة أخرى(شروق) تنافس الساردة على محبَّة خالد، وتتدخل أمُّها في اللعب، وتمسك بيد خالد وتضعها في يد شروق، وتصادر الخواتم الورقية، والأساور، وتعطيها لابنتها شروق.. فيما تسرع الأخرى(فرح) إلى البكاء لشدَّة الغيرة. وبلغ بها الأمر أن فقدت الأمل في أن تصبح عروسًا لأيٍّ من أطفال الحي. وهذا – للعجب- ما يتراءى لها عندما تنظر في المرآة على هيئة تجاعيد تملأ وجهها الطفل؛ فالأم اغتالت سعادة فرح لصالح ابنتها شروق، وأشعرت (فرح) بشعور الفقد، والحرمان، أي بشعور من تفقد زوجها قبل الزواج، لذا تضجُّ في أذنيها عبارة: فرح.. فرح.. أرملة الفرح .
والملحوظ أنَّ الكاتبة تغريد قنديل تركز تركيزًا شديدًا على الرجل الذي يتخلى عن كلمته، ولا يفي بوعده، ولا يلتزم بحبٍّ سبق له أن ادَّعاه. ففي قصة (موعد على الورق) يدبُّ السأم في الفتاة التي تنتظر حبيبها، أو من هو في مقام الحبيب، بكلمة أدقّ، وبسبب ذلك السأم، والقلق، الذي ينتابها، تستثقل ظل عامل المقهى الذي لا يفتأ يسأل: قهوتك يا آنستي؟ وتكرر في كل مرة: دون سكر.. ويطول انتظارها كثيرًا وهي تتساءل في سَوْرة الشك: ترى هل سيأتي؟ ويتكرر هذا التساؤل بينما العيون ترقبها من كل جانب. وعندما نفرت بعض الدموع من عينيها، واحتاجت لمنديل من الحقيبة، عثرت على ورقة كانت قد كتبت له عليها إنها تنتظره في الوقت والمكان نفسه.. في إشارة إلى أنها تحافظ على الموعد على الرغم من أنه لا يأتي.
ولا تجد الكاتبة حرَجًا في تكرارها الموضوع في قصة أخرى بعنوان (قِسْمة ونصيب) فالساردة – وهي بطلة القصة أيضًا- تجوب الطرقات في المدينة القريبة من البَحْر، لا تعرف أين هي، ولا إلى أين تذهب؟ وفجأة تحسُّ بأحدهم يتبعها، ويلفظ اسمها، وهو يقترب منها أكثر فأكثر. لم تكن تسمح لأحد باجتياز سياج وحدتها بعد أن جاءها الحبيب يومًا وقد خلع حبَّ السنوات، وأحلام المستقبل، وألقى بهما في دوامة اللامبالاة، والنسيان. وفي الأثناء تداهمها مشاعر متضاربة، يغلب عليها الغضب، فما الذي يأتي به الآن؟ لقد انتهى ما كان بينهما من وداد، لا لشيء إلا لأنَّ ذويه يرفضون أن يقترن بها لأنها من أسرة فقيرة. تتذكر أنها عندما سمعت منه ذلك الكلام قذفته بكوب الشاي، فأدْمى وجهه، وترك ندبة ظاهرة فيه. والآن يأتي ليعتذر عن موقفه، وهي لا تقبل اعتذاره « أنت لا تقدر أن تمنحني شيئا أكثر من الغدر، لقد منحتني غدرك « لكنَّه لا يفتأ يحاول مكررًا متى نعود معا؟ وهي تردُّ بإصرار لن نعود معًا.. لقد عبث الزمن بذاكرتك، ألستُ ابنة الفقراء؟ لن نعود معًا. وعندما يلح عليها في السؤال تجيب: قسمة ونصيب يا ابن الأثرياء! قسمة ونصيب.»
فالمرأة في هذه القصص تتمتع بشخصية قوية، صِداميَّة، وبقدرة على الاستقلال عن الآخر، أبا كان أم أخا أم زوجا أم خطيبا، أو من هو في مكان الخطيب. فهي تحاول أن تكون نِدًا. وأن تظل عزيزة النفس، مهيبة الجانب. قد تكون فقيرة، أو من عائلة صغيرة، وقد تكون طفلة لمّا تعرف الحب بعد، وقد تكون ابنة وحيدة لبائع (فلافل) وما شابه ذلك من أمور يراها بعض الناس أمورًا لا قيمة لها، إلا أن هذه المرأة، التي تتعاطف معها تغريد قنديل، لا تمل السعي لتأكيد مكانتها، وحضورها في الواقع المعيش إلى جانب الآخر. ففي إحدى القِصَص التي اختارت لها عنوان (أديبة) تستعصي الفتاة على ملاحقة أحد الشبان ممن يتطوَّعون – في العادة- لتقديم المساعدة بهدف التحرش. غير أن البطلة، الطالبة الجامعية، تقنعه، وهي تلوح بالقلم وبالدفتر، أنها بهذين الشيئين تستطيع أن تمتلك العالم. فهي تحقق ذاتها ونشوتها، وتكتسب الاطمئنان النفسي، والاستقرار الروحي، في اللحظات التي تعكف فيها على ممارسة الكتابة الأدبية، فبهذه الممارسة تكتسب العالم بجل ما فيه من سعادة.
وصفوة القول إنَّ الهموم النسوية، والأنثوية، غلبت على قصص تغريد قنديل، وهذا شيء طبيعيٌ، بَيْدَ أنَّ هذا لا ينفي عن قصصها أنها قصص تنطوي على جماليات سردية تتجلى في لغتها النثرية الأنيقة، وعباراتها المصقولة، تقولُ في مقدمة إحدى القصص على لسان الساردة التي تؤدي في الوقت نفسه دور البطلة « أجوب الطرقات دون أن أدري إلى أين. احترفت رحلة التيه في الآونة الأخيرة. أخرج مبكرة فأجوب الشوارع وأطوف المحلات دون هدف. أقف في زاوية ما كمتسولة نبذتها كل الشوارع والأرصفة. أحدق في المارة وأسترق السمع لأحاديثهم- أحيانا- باحثة عن كلمات ما تنتشلني من صراعي اليومي.. لا اسمع غير الأحاديث التافهة، ولا أرى غير الوجوه الزائفة، المغطاة بالخطوط والأصباغ. كننت أحدق بها، وأعرِّي تضاريسها، فأرى ما تعجز عن رؤيته باقي العيون. وحدها العيون التي احترفت التيه تكشف عن زيف هذه الوجوه. «
وبمثلِ هذا الأسلوب، في مطلع القصة، تذكي الكاتبة لدى القارئ الشعور بجماليات النسق السردي، وتستثير شعوره، وتوْقه، لمتابعة القراءَة، والسعي لتجاوز الاستهلال، في لهفةٍ لمعرفة ما تسفر عنه هذه الجوْلات. علاوة على أن الكاتبة بتواتر السارد المشارك في قصصها، وبتوافر الأجواء النسوية فيها، تضفي على أعمالها شيئا من التجانس المُحبَّب الذي يشعرنا بأنها قصص مترابطة تتمخَّض عن خطابٍ واحدٍ، وهذا يعني في ما يعنيه أنَّ للكاتبة قضيَّة، وأنها تتابع الكتابة في تلك القضية بإصْرارٍ، وإخْلاص.   

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش