الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مذنــبٌ بريــئ

تم نشره في السبت 18 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً
يوسف عبدة



 ولدنا إلى هذه الدنيا، وولد بيننا. إنسانٌ ليس بإنسان، فكرٌ مشى معنا خطواتنا الأولى، واكتشف العالم حذي اكتشفنا، رأى حقيقتنا قبلما عرفنا أن للحقيقة أثر يدل. كان منا ، بيننا، ولازال جزء من حياتنا، ينظر يحدق يجهر بنا، يسمع ويصغي إلى كلمات اللوم التي قذفناه بها،  نلومه على كل جريمة أرتكبها الزمان على إثرنا، نشتمه بكل شتيمة على وقع أفواهنا. بريئ الزمان والملام على أخطاء الإنسان، تفضل التاريخ إلى منصة المحكمة.
وقف التاريخ أمام الإنسان، محام لنفسه، وحده من دون قرين يشهد على برائته. وقف مهتز البال أمام قاضي المحكمة يحكي ويقول، بأنه ما عمل من خطأ يلام ،و  بأنه والإنسان كانا أعز الأقارب، وأقرب الحبائب. فالإنسان صنع من العمر قصة ليحكيها التاريخ لأجيال تبان، والتاريخ مجد مولد الإنسان وكرم موته، فجعل من حياته أسطورة تحكى على مر الزمان، فهو الذي جعل لليونان والروم والعرب اسماء تقشعر لوقها الابدان.
ولكن سرعان ما أصبح الإنسان أشبه أكثر فأكثر بالإنسان، يشن الحروب ويذعر الشعوب، يدمر ويهدم أرضاً خلقت لتبني حضراته. لم يعد هنالك حس في الضمير حتى يشعر بعظمة المأساة الشنيعة التي أرتكبها الإنسان بحق الإنسان. قتلت أرواح من الإنس والنبات وحتى الحيوان، لا تحصى بعدد حبيبات الرمال المتخلخلة بين التراب، فأصبحت أقدامنا تمشي على أرض يحرم نعتها بالأرض، واسم المقبرة يليق على الطابع الموت والذبول التي حولت إليه من سمات الحياة.
وقف ااتاريخ أمام القاضي بعدها، وجهاً لوجه، وعيناه سدان يكادا أن ينفجرا حسرةً على الإنسان لا حقداً. فما ذنبه؟ فما ذنبه؟ أشار إلى القاضي وإلينا. ذنبه أنه دَونَ أحداث الماضي على أوراق الحياة وجعل للموتى قائمة كتبت عليها اسمائهم بقلم الحقيقة وحبرِ الدمِ، جمعها في سجلٍ وزعَ ليرى. دونها ليحذر أُناس المستقبل من أُناس الماضي، دونها لأن تكون عبراً لا تمسح من صبورة الوقت. دونها لتكون دليلاً يمحي أعذار الإنسان اتجاهه، ليبين أن التاريخ مما عاد يعيد نفسه، بل ما عاد الإنسان يتعلم، وأصبح هو الذي يعيد التكرار. ذنبه أنه فتح أعين الإنسان لأول مرة منذ العصور. فأخرج التاريخ الكبريت من جيبه وأحرق السجل أمام أعين المحكمة، ماسحاً ذنبه عن وجه التاريخ.
طرق القاضي بمطرقته عاذراً التاريخ عن المنصة، مطالباً الإنسان مكانه، لعرض ما بقي من الكلام في قضيته. نهض الإنس إلى المنصة مواجهاً التاريخ المتهم من دون القاضي. نظر الإنسان في التاريخ نظرة شفقٍ وندم ومر بإبهامه عن أعين التاريخ ليمسح ما ملئ التاريخ من ملامح الدمع والهزمية. إلتفت الإنس للقاضي وصمته أقوى كلمة يقولها، فطرق القاضي طرقته الأخيرة، معلناً براءة التاريخ، وذنب الإنسان. فحكم على  الإنسان أن يقضي عمره بتدوين حقب التاريخ بحذافيرها. فأصبح التاريخ للإنسان ليصنعه، ليكتب أحداثه دون اللعب بالنقاط، فالتاريخُ كلمةٌ لا تزول في ذاكرةِ الشعوب.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش