الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هـائــمٌ بيــن حلــمٍ وواقــــعٍ

تم نشره في الاثنين 20 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً


أحمد محمد المحاسنة*
وضعت حقيبتي في المقعد الخلفي، مضت عشر سنوات على شرائي هذه السيارة، ولا زلت أتشوق للصعود إلى الأمام كأنني القائد، وبالفعل فإنني أنا من يقود السيارة، بدأت القيادة وضوء الشمس يسطع في عيني، ولا أرى سوى اللون الأصفر، تذكرت حينها أنني أحتفظ بنظارتي الشمسية في الحقيبة، وثقت كثيرا بقيادتي، وحاولت أن أخرج النظارة من الخلف، اصطدمت  بالرصيف الأصفر، وبدأت لحظتها ألعن الشارع، ومن وضع الرصيف في هذا المكان! لم أحاول أن ألوم نفسي على ما حدث، بل زاد لومي للرصيف على وجوده الاعتيادي في المكان، الآن ماذا سيحصل؟ هل سأقوم بدفع عشرين دينارا لأصلح خدشا صغيرا؟! هل استلمت الراتب الآن لأقوم بإصلاح السيارة، كأن المال فعلا يأتي ليذهب.
وجدت محلا صغيرا في زاوية عتيقة لصيانة السيارات، وجدت ظلا داخل المحل، فعلمت أنه مفتوح.
«السلام عليكم، معلم؟ في ناس؟»، لم يجبني حينها أحد، كررتها ثانية ولم أسمع ردا، تقدمت بخطواتي لأقترب من ذلك الظل فبدأت أغضب،لأن أسئلتي كانت تقع على آذان صماء، نظرت عن قرب وإذ بامرأة تحت السيارة ومعها المفكات والبراغي.
«ناولني المفتاح الإنجليزي لو سمحت»، سألتني وأنا لا زلت مندهشا.
ناولتها المفتاح وسألتها: «هل يمكنني أن أتحدث مع صاحب المحل، سواء أكان زوجك أم أبوك؟!».
ردت بثقة واللون الأسود يعتري لباسها: «اه معلم تفضل؟»
أجبت متلعثما بغرابة، وكأنني لم أجد حروفا لأصيغ كلماتي، وهي تخرج: «لا..لا... ولا اشي، بس حبيت أستفسر عن المحلات بالحارة» خرجت مسرعا من المحل وعلى وجهي علامات الدهشة والاستغراب، لم أعط الموضوع اهتماما، وقررت أن أذهب الى المحل المجاور ظنا مني أن تلك المرأة لن تستطيع انجاز العمل المطلوب.
دخلت من الباب الرئيسي، وقلت:»معلم....في حدا هون؟»، سمعت صوتا خافتا لم أعرف مصدره، فبدأت أقول بسخرية: «تصدق يا معلم رحت عالمحل في الشارع الثاني وتطلعلي امرة! والله فكرت انو القيامة اجت»، لم أجد جوابا لما قلته بل صمت خيم على أذاني، وذهبت إلى الداخل، وإذ  بإمرة تقوم بإصلاح مقدمة السيارة، نظرت باستغراب واحباط شديدين،كأن المرأة اجتاحت العالم حولي ولم أدرك ذلك، معتقدا أن صوتي لم يتعد حدود صدري قلت: «لهون وبس»،خرجت مسرعا غير مدرك لتغير العالم من آخر مرة أصلحت سيارتي بها - لم أعد أريد أن أصلح السيارة- طرقت بابها بغضب ودخلت السيارة لأجد أن البنزين على وشك النفاد، واذا بلكمة مني تطير على المقود، هدأت نفسي بالاحباط الذي اجتاحني وذهبت لأقرب كازية.
«معلم 90 أوكتان بعشرين» «كريديت ولا كاش؟»، بدأت بالإرتجاج وغمرتني رجفة قشعريرة حينما سمعت الصوت، فنظرت وإذ هي امرأة، أعطيتها ما أملك من المال، ولم آخذ الباقي من غرابة الموقف الذي أعيشه، ذهبت إلى منزلي أتفكر وأتامل فيما يحدث،وهل هو وحي من خيالي أم هو حقيقة وواقع يجب أن أتعامل معه، أغلقت الباب وإذ بالجرس يرن، فتذكرت بأنني لم أدفع أجرة الحارس بعد، فتحت الباب وإذ بحارس العمارة امرأة تطالب بالأجر الشهري، لم أجد ما أقول، عدت إلى غرفتي وأحضرت العشرين، دفعت أجرتها وأغلقت الباب من خلفي وضعت رأسي على المخدة متقبلا حقيقة الواقع الذي أعيشه وامتصصت غرابة ما يحدث بكل عقلانية، نظرت في نفسي لأجد أن ما منعني من اصلاح سيارتي هو نفس سبب دهشتي واستغرابي، هذه وظائف للرجال لا يجب أن تعمل بها النساء، فكرة طغت على فكري وعلى مجتمعي حتى أصبح شيئا لا يمكن تخيله وتقبله، ولكن أدركت أن هذا جزء لا يتجزء من الواقع الذي تطور إليه ماضينا، فنحن لم نعد نتقيد بنفس الشعارات والتقاليد الباهتة، بل خرجنا من قوقعة العيب وأصبح الحد عندنا هو حد العقلانية، لم تجتاح وجوهنا علامات الاستغراب والدهشة حين نرى امرأة تعمل ك»موسرجي او كطيار»؟، أليس لدى النساء ما نملكه نحن من نعمة العقل والمنطق؟ أليس لديهم الحق في العمل بما نعمل به نحن الرجال؟ إلى متى سوف تحكمنا عبارات كبرنا لنتلقاها بالمعلقة ولا نعرف عن صحتها؟ هذا هو الوقت الذي تتساوى فيه الموازين بين المرأة والرجل.
*مدرسة الكنغز أكاديمي

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش