الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عقول لا تدور

رمزي الغزوي

الأحد 26 أيار / مايو 2019.
عدد المقالات: 1941

اعتقد القدماء أن الأرض محمولة على قرن ثور عظيم، يمخر عباب الفضاء بسرعة كبيرة، نافثاً غيضه ولهاثه وتعبه، وعندما كان يريد أن يريح قرنه، فإنه يقذف بالأرض عالياً لتستقر بكل دقة ومهارة على قرنه الآخر، دون أن يلتفت أنه بحركته البهلوانية هذه قد سبب ارتجاجاً يخيف أهل الأرض ويرعبهم. وهذا كان تفسيرهم للزلزال.
وثمة خرافات أكثر إضحاكاً وسذاجة سادت قبل أن يتدخل العلم ويقدم تفسيرات منطقية تقبلها عقولنا السليمة. فقد كان الخوف ينتاب من يركبون السفن الشراعية بأنهم إذا ما استمروا في الإبحار غرباً؛ فحتماً سيلاقون آخر الارض، ويسقطون في لجة الفضاء، فالأرض كانت بنظرهم مسطحة مستوية كراحة اليد.
قبل أيام لمع برق داعية شاب على موقع الميديا العالمية، بفيديو مثير للضحك والخجل، لأنه لا يقبل بكروية الأرض ولا يقتنع بدورانها. للأسف انتشر التسجيل انتشار نار الهشيم، وتتابعت عليه سلاسل الضحك على أمة من المنفترض أن تكون في المقدمة. 
الداعية ينفي فيه بناء على أدلة عقلية، كما ما يقول، وآيات قرآنية، كروية الأرض ودورانها، قائلاً بأنها ثابتة، فيما الشمس تدور. وهذا الداعية (لا أعرف من منحه أحقية الدعوة لدين يحتكم للعقل والمنطق) يقدم دليلاً حياً بأن الأرض لا تدور، فلو كانت تدور، مثلما نقول، فلن نستطيع السفر بالطائرة إلى أي مكان؛ لأنه سيبقى يسبقنا: ما شاء عبقري!.
يا من لا تقل خطورة تفسيراته عن أية جريمة داعشية: الأرض تدور عيانا بيانا، وإن أردت أن تقرأ من القرآن فاقرأ بعقل رحب: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمَّى أَلاَ هُوَ العَزِيزُ الغَفَّار). فتكوير الليل على النهار، هذا إن فهمت معنى التكوير، يتطلب دوران وكروية للأرض.
في الصف السادس الأساسي يتعلم الأولاد شيئاً بسيطاً، وهو أن الأرض تدور، ويدور معها غلافها الجوي، أي تدور كوحدة واحدة، ولو كانت تدور مع ثبات غلافها الجوي في مكانه، لتمكنا أن نعلو بالطائرة، وننتظر البلد الذي نريد أن نسافر إليه ليصلنا فنهبط فيه، موفرين ثمن التذاكر. لكن الظاهر أن داعيتنا النضوة لم يصل الصف السادس بعد. فالمدرسة ربما كانت تدور هاربة منه.
مع كل أسف وحزن، فثمة عقول لا تدور. فجرائم داعش التي رسمت صورة لديننا عند الآخرين، لا تقل عما يرسمه بعض الدعاة قليلي الثقافة، عديمي المعرفة، وهم يضيفون تشويهاً بليغاً للمشهد الكوني. فضحتونا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش