الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«أيها الشاعر فيّ».. لغة مدهشة وريشة مبدعة

تم نشره في الجمعة 12 حزيران / يونيو 2015. 03:00 مـساءً

مريم شهاب الإدريسي*

بمثابة شذراتٌ كتبتْ بحرفية شديدة متناهية، وبنباهة وذكاء شديدين، دون التباس، ولا طلاسم لغوية، تلك هي حالة «أيها الشاعر فيّ»، الديوان الجديد للشاعر محمد حلمي الريشة.
شذرات يراودها الحزن المعتق، لكن لمناعة الشاعر فيه، فقد أعلنها بصوت جهوري من خلال تركيبة الحروف وبنية مخارجها الصوتية بديوانه، والتي تعلو وترتفع بهاته القوة الصارخة دهشة، لتعلن أن الشاعر فيه يرفض الانزواء للصمت الباهت، وإن حدث وصمتَ بين بياض شذرة وأخرى، فكيف لا يفعل هذا وهو الشاعر، والمتأمل، والفيلسوف الحكيم، والصوفي، والمتعبد في محراب الشعر واللغة؟! يتعمد هذا الصمت مجالاً لأخذ نفس جديد، والانطلاق في رحلة حياتية فيضية شعرية مضمخة بالكثير من الوجع، والتذكر، والحنين، والفرح، والعشق لقصيدته/ أنثاه.
شذرات وإن حكت عشقاً وولهاً بالقصيدة المعشوقة، فقد بلغ بها الشاعر محمد حلمي الريشة درجة الشطحات الصوفية التأملية من خلال قاعدتين لا ثالثة لهما ما بين صمت وكلام، فقد قال عن الشاعر فيه بكل الإبداع الذي أجزم أن لن يتحقق ثانية، ولن يجود به قلم آخر.
هو الشاعر والباحث والمترجم محمد حلمي الريشة؛ ريشته شراعه، بسفينته وحده. هو الربان/ القائد/ المبحر/ المكتشف، بمنظار شفقي يماميّ. هو نفسه عينه الثالثة، تتشارد الحروف عزلة في شهوة يده. هي قصيدته؛ أنثاه الوحيدة يغازلها اللغة/ الهمس باستثنائية البوح، ولَسْعة الدمع المالح، بتفاعله وانفعاله، بوعيه وبهذيان تحليقه. هو أقرب إليها من حبل حبرها.
هو الشاعر فيه؛ وحده الذي يشده إليه، وقد شد تلابيب خطو الشعر إليه، وبأنامل شذراته هاته بذا الديوان طوَّقها سراحَ عنان خياله واستثنائية ذائقته.
روح إبداعية استثنائية تشع باللاعادي، إنْ بلغةٍ، أو بصورٍ، لا يمكن لأحد أن يدرك كنهها غير الشاعر نفسه؛ هو غير العادي الشاعر، وهو نفسه الشعر.
روح شاعرة  بكل جمالية وروحانية الشهقات/ الشذرات تنوء فتفيض بكلها/ كله يخاطِب روحه فيه/ في القصيدة. الضمير المخاطِبُ أنا، هو الشاعر يخاطب نفسه، لا يكتفي بالحوار، بل يسائل نفسه فيه؛ هو إثباتية لذاته بالقوة. الضمير المخاطَبَة أنتِ هي القصيدة حاضرة، يسائلها، لاهما يمكر يفر ولا يدبر.
ما بين اسم فاعل «الشاعر» واسم مفعول «القصيدة» المكتوبة بلغة مغايرة جداً حدّ الإبداع المختلف كل الاختلاف نفسه، هو الخطاب يُحاكُ/ يوجَّهُ لحضورَيْنِ متواجدَيْنِ باللحظة نفسها. بالنبض نفسه والشبق والسؤال الفلسفي الوجودي، بكل نصاعة البياض؛ نصاعة الروح الشاعرة، ونصاعة بياض جسد القصيدة والورقة، التي تساقط عليه شذرات لؤلؤية، لكنها من ضياء الشاعر تستلهم طهرها.
«أَنَا/ لَا/ أُحِبُّ/ مِنَ/ البَيَاضِ/ سِوَى/ نَقَائِي.
علاقة اتحادية انصهارية، روحية، قوية، عشقية ما بين الشاعر العاشق وقصيدته المعشوقة بكل صبابة الحروف. وهو العازف المتفرد لقيثارة روحه في كل لحظة من لحظات انبهاره بها، وانشداده لها، نراها لا تمنحه ذاك العشق بكل يسر، فلا مجانية في الكتابة. فلكي يكون شاعراً عليه أن يكون عاشقاً؛ هي الثنائية في الواحد، والتعدد في الواحد.
«ابْتِسَامَةُ العِشْقِ؛/ شَفَةٌ مِنْهُ وَشَفَةٌ مِنْهَا../ دَمْعَةُ العَاشِقَةِ؛/ فَيْضٌ مِنْ عَيْنِ العَاشِقِ../ القَصِيدَةُ المَعْشُوقَةُ؛/ ابْتِسَامَةُ الدَّمْعَةِ الشَّاعِرَةِ/ فِي بَطْنِ الشَّاعِرِ».
الشاعر يبوح نبأ النشيدة/ القصيدة التي تترنم بالخافق، وهي تزّاور عن ضلع اللغة فيه إلى ضلع المشاعر بحناياه تسهَدُه الليل، ويسهدُها دفء الخاطر والخالج، وقد ضمتها سَكَنَ الفؤاد، إلى أن تخرج من الباب الخلفي للقلب حيث تتوارى إلا عنه.
هي القصيدة بالليل نديمة، مؤنسة وحشة العتمة، حديثها ذو شجون، تتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وهي في فجوة القلب، تنبعث من ذائقة شاعرة.
رجماً بالزمن قد يقال ساعات فقط، لكنه قد علم وهو الشاعر فيه، وأحصى كم لبثتْ أمدًا، هو ليل طويل إلى صباح أمثَلِ.
نشيدته/ قصيدته وهو الحالم بها ما كانت يوماً راقدة؛ ما بهذا الحَسْبِ والظن بل هي له من الأيقاظ وقد لبثتْ به وازدادت نبضاً إلى الفجر.
حروف لازوردية تضج حياة، وتنضح ألقاً، بليلٍ هي سكينة للشاعر؛ وإطلالة صباح مشرق ب?نعتاق.
وما بين أفعال حركية (تغسل الغبش/ تفرك ملح الكلمات/ وضعت عطراً/ فتحت نافذة حرية/ خرجت لتحلق إلى الكون) فكان لها آدمَها وهي منه له.
لغة قوية، لا أقول توزعتْ، بل أجزم أنها تمكّنتْ بكل بأسها من إثبات وجودها، بكل حذق ورصانة، وقد انبثقت من جذور كُتبت بدمع بماء الجسد، لكنها بهمسات روح تعاني:
«أَنَا أَعِيشُ مُسْتَقْبَلِي الآنَ؛/ لِأَنَّنِي لَنْ أَعِيشَهُ فِي المُسْتَقْبَلِ!».
الشاعر ليس نادماً، وكيف له؟ وقد اختاره الشعر له رفيقاً، والقصيدة له عاشقة؛ وواحدته وأنثاه؛ وهو في أقصى حالاته الانتباهية، الوجودية، الإنسانية.
شاعر هو محمد حلمي الريشة، يؤكد دائماً بحضور ضمير المتكلم أنا الموقع أعلاه لا أدناه؛ لما له من ثبات، ووجود، وحضور، وانتماء، وهوية.
فلسفة الموت المنبثق/ المولود من رحم الحياة، ذا المستقبل لا يراهن عليه الشاعر، بل  هو متأكد منه، ليس بحدس أو بتوهم؛ لكن بيقين، لأن لحضور شعره تلك القوة الكامنة في روحه ما سيخلده. فهو آخذٌ الشعرَ على عاتقه، على كاهله، وما رمى النبضَ على عواهن حبره، بل تحَمَّله بكل سيزيفيته ليُولَدَ منه:
«أَوْرَاقُ وَرْدَةٍ صَفْرَاءُ/ مَشْكُوكَةٌ بِخَيْطٍ مِنْ حِبْرٍ أَبْيَضَ،/ وَمَشْكُوكٌ بِي/ أَنَا بِهَا بِخَيْطٍ مِنْ شَعْرِهَا/ فِي إِبْرَةِ شِعْرِي../ طَوِيلٌ هُوَ.. طَوِيلَةٌ هِيَ؛/ كَمَا لَوِ المَسَافَةُ الدَّهْرُ/ بَيْنَ الشَّاعِرِ الوَحْيِ وَقَصِيدَتِهِ المَرْيَمِيَّةِ!».
حضور قوي يلاحظ يتكرر عدة مرات للتأكيد القريب والبعيد أيضاً على ثنائية هي بالأساس وجه مرآة الشاعر؛ هذا الضمير المنفصل، لكنه في حد ذاته المتصل بذات الشاعر، بل هو هويته مؤكداً على أنه لن يتخلى عن قصيدته وقد بادلها الوفاء، فلها منه وعد لِلتَّأْكِيدِ البَعِيدِ سيمنحها كل ذاته الفاعلة الخصبة الخيال الشاعرة، ومن تجربته الإنسانية الفعالة.
وتستمر المعاناة ويشتد وقعها: «فَأَنَا، فِي بَيْتِ شِعْرٍ، شَقِيٌّ/ عَلَى غَيْرِ نَارٍ، وَنُورٍ.. كَسُدَى!».
هو الشعر قد أخذ بالشاعر كل مأخذٍ؛ هو له قَدَرٌ، وهو له الشاعرُ جبينٌ وعمرٌ؛ لا فكاك  لأحدها عن الآخر.. تعبٌ، لكن اعتزاله كلّ الرّهق والنّصَبِ.
أمتع الشاعر محمد حلمي الريشة إلى أقصى حدّ بشذرات ذهبية بحروف مزجها حبراً لازوردياً، فلاحت حالمة، رائعة، تقول الكثير، وتسكت عن الأكثر ببياض، ليترك لقرائه بكل أريحيته وبذخه وكرم حروفه أن يرتقوا بالخيال أنى شاؤوا، وكيف شاؤوا، بعين ناقدة، أو عين حالمة، أو عين  شاعرة.

* شاعرة وناقدة من المغرب

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش