الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عبد اللـه رضوان و «المدينة في الشعر العربي الحديث»

تم نشره في الجمعة 12 حزيران / يونيو 2015. 03:00 مـساءً

الدكتور يوسف بكّار   *

«يجب ألاّ تكون تجربة الشاعر ذات نسق واحد، فالثبات يعني الموت»
(عبد الله رضوان)
– 1 –
من أقوال عبد الله رضوان الشّعريّة:
(1)
.. أشهد أنّني عشتُ
أشهد أنّني شاهدت
أشهد أنّني أحببت
أشهد أن لا يقين على الأرض إلاّ الموت
أشهد أن لا إله إلاّ أنت
(2)
سألوا عبد الله
بكى من وجع المنفى
قال:
مكانًا للموت
(3)
لقد ضاقت الأرض يا والدي،
والموت أطيب من ذلّ هذي الحياة
جلاوزة،
عسس،
وولاة.

– 2 –
على الرّغم من أن الرّاحل عبد الله رضوان، كما في النصوص السابقة، عاش وشاهد وأحبّ، فقد كان يعلم علم اليقين أن الموت حقٌ، ويؤمن بأنّ لا إله إلاّ الله وحده؛ لكنّه حين سئل، كما يقول: ماذا تبتغي؟ أجاب بعد أن بكى من وجع المنفى: «مكانًا للموت» لأنّ الموت «أطيب من ذلّ هذه الحياة» التي تزيد «مراراتها» على «أفاويقها»، وفي هذا ما فيه كما يقول الفلاسفة. بيد أنّه لم يكن يبدو عليه هذا الوجع المخبوء لما كان يلقى به أصدقاءه ومحبيه وغيرهم بابتسامته المعهودة وترحابه الصادق الودود.
لقد مات عبد الله ولم يمت، فهو ممن يسلكون في قول الشاعر: «ليس من مات فاستراح بميْتٍ/ إنّما الميْت ميّت الأحياء».
فما أكثر ميتي الأحياء في زمن «ذلّ هذه الحياة» و»زمن الحقّ الضائع».
عبد الله رضوان باقٍ بيننا بإرثه الأخلاقي والعلمي والأدبي والثقافي، وبخلفه الصالح. فقد ترك فيها جميعًا ما لا ينسى وما هو باقٍ إن شاء الله. و»هذه هي الحياة» كما يقول الغربيون، وكما عنون هو أحد دواوينه «يجيئون.. يمضون.. وتظلّ الحياة».
– 3 –
حين طلب إليّ الصّديق الأديب نضال القاسم مشكورًا أن أُسهم في الكتابة عن الصديق الفقيد الرّاحل عبد الله رضوان رحّبت شاكرًا للذي كان بيني وبينه من ودّ ومحبّة وتقدير، فطفقت أبحث عمّا كتب عنه لكي لا أكتب مكرّرًا. وراجعت أعماله الشعريّة والنقديّة جميعًا وجلّها كان قد أهدانيه هو، فألفيت أن جمعًا غفيرًا من أترابه وأصدقائه ومحبّيه لم يقصروا في الكتابة عنه ومحاورته في حياته كما في كتاب «فضاء المتخيّل ورؤيا النقد: قراءات في شعر عبد الله رضوان ونقده»، الذي أعدّه وقدّم له وشارك فيه الدكتور زياد أبو لبن، وفي كتاب «عبد الله رضوان الذات والآخر: أبحاث وقراءات ومقابلات» الذي أخرجه وشارك فيه وقدّم له الدكتور محمد القواسمة. ولأنّني لم أجد في الكتابين من تناول كتاب «المدينة في الشعر العربي الحديث» آثرت أن تكون هذه الدراسة عنه.
– 4 –
كتاب «المدينة في الشعر العربي الحديث» صدر أوّل مرّة عام 2003 في «سلسلة كتب ثقافيّة» عن وزارة الثقافة الأردنيّة، ثم أعاد عبد الله نشره كاملاً عام 2005 في كتابه «البُنى الشّعريّة: دراسات تطبيقيّة في الشعر العربي».
لقد جاء صدور الكتاب عام 2003 بعد دواوينه: «خطوط على لافتة الوطن» (1977)، و»أمّا أنا فلا أخلع الوطن» (1979)، و»الخروج من سلاسل مؤاب» (1999). وتزامن في نشرته الثانية (2005) مع ديوانه «مقام عمّان» الذي تلاه «كتاب القدس» (2010).
تغنّى عبد الله رضوان بالأوطان والمدن، لاسيّما الفلسطينيّة والأردنيّة، وعبّر عن عشقه الطافح لها شعرًا ونثرًا. يقول، مثلاً، عن عمّان في أحد حواراته: «إنّني عاشق حقيقيّ، عمّان المكان والإنسان معًا. عمّان القيادة، وعمّان النّاس، وعمّان الشوارع والبيوت العتيقة، والمطاعم والحدائق، والصّداقات الهائلة المتنوعة والحبيبة». ويقول عنها شعرًا: «عمّان درج صاعد نحو حدّ السّماء/ وفتنة قلبي/ عُكّازتي، حلمي/ وحنيني لألثم أشواقها». ويزيد: «أقول أحبّك يا عمّان/ أُنثى المكان/ شرفة للنّجاة»
ومن هناك أو هناك رصّع مفتتح ديوانه بمقولة ابن عربي الفيلسوف «المكان الذي لا يؤنث لا يعوّل عليه».
وقد قاده هذا العشق إلى أن يبرز في قصيدة «مقام حبيبي» حالة زواج متكاملة بين «إيل» كبير الآلهة الكنعانيّة و»تايكي» آلهة عمّان الحارسة لتأكيد خصوصيّة تلاحم الشّعبين الفلسطيني والأردني، وهو ما أكّده بعمق في «مقام عمّان»، وفي قوله «فها هي عمّان.. تؤكّد خصوصيتها الإنسانيّة الحضاريّة، وخصوصيّة العلاقة الأردنيّة الفلسطينيّة في تواشج عضوي لا ينتهي، بل يتعمّق عبر المسيرة:
«عمّان، مملكة العاشقين/ الكلام الذي لم نَقُلْ بعد/ هجس الطريق إلى الرّوح/ زينة كلّ العواصم/ بهجتنا../ وطريق وحيد إلى القدس..».
أمّا ديوان «عروس الشّمال» (إربد) فانبجس عن علاقته بشاعرها وشاعر الأردن مصطفى وهبي التّل (عِرارُ) كما يقول.
لعل مصدر علاقاته الحبيّة الحميمة بالوطن في غربيّ النهر وشرقيّه ومدنهما، والحياة ذاتها، وطفولته «الشّقيّة حدّ العذاب» كما وصفها هو نفسه لعلها هي التي كانت مدعاة ما قد يكون «تعويضًا» عن وطنه الأمّ عامة، وقريته / المدينة «بيت محسير» خاصة، هو الذي ينداح في جلّ شعره وثناياه، والذي حمله على تأليف «المدينة في الشعر العربي الحديث» ليكشف عن موقف الشعراء العرب، الذين تخذهم نموذجًا، من المدينة، ويوازن موازنة تخيليّة ذهنيّة بين موقفه الإيجابيّ هو من المدن التي عشقها ومواقفهم التي تترجح بين السّلب والإيجاب وفقًا لمعطيات كلّ منهم وتجاربه.
– 5 –
لم يكن عبد الله رضوان أوّل وآخر من ولج هذا الموضوع، وقد أشار هو إلى ما كتبه عز الدّين إسماعيل في «الشّعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنيّة والمعنويّة» (1967) حيث خصّ الفصل الأول من الباب الثالث بموضوع «الشاعر والمدينة»؛ ورأى، من خلال نماذج قليلة، أن العلاقة بين الشعراء والمدينة تتمثل في أربع صور رئيسيّة: وجه المدينة ذاتها؛ وطبيعة التجربة في إطار الحياة فيها، والموقف الجدلي الذي خلّفته التجربة في نفس الشاعر، والعامل السياسي. وأشار إلى صبري حافظ في «الرحيل إلى مدن الحلم» وإلى حنّا عبّود في «مورفولوجيا المدينة في الشعر العربي» و»مناف منصور في «تجربة المدينة عند أدونيس»، وأفاد منهم بعض الشيء. لكنّه لم يطّلع على الفصل القيّم «الموقف من المدينة» للرّاحل إحسان عبّاس في كتابه «اتجاهات الشعر العربي المعاصر»، الذي كثّف فيه من خلال شعراء معدودين أهم مواقفهم من المدينة، وهي على اختلاف في المستويات: عدم الأُلفة أو صدمة الحضارة إزاء فضائل الرّيف في الاخلاق والعادات والسلوك، والشعور بالاغتراب، وفقدان النقاء المعنوي، والنفور وهو نزعة رومانسيّة مردّها الرومانسيّة الجديدة عند الشاعر.
– 6 –
الدراسة كثير شعراؤها من الأردن ولبنان وفلسطين والسودان وتونس وسوريّة والعراق واليمن والبحرين، وليس سهلاً عليه أو على غيره ولم يكن هذا وكده، أن يستقصي الشعراء جميعًا في بلدان الوطن العربي كافة، لأن استقصاءه انصبّ على الموضوعات المختلفة في الموقف من المدينة. يقول: «منهاج البحث ... يعتمد الصيغة الاستقصائيّة لرسم الأشكال المتعدّدة التي اتخذتها المدينة في الشعر العربي الحديث». وهو، وإن «غطّى كمًّا ضخمًا من مجمل النتاج العربي الحديث» لا «يدّعي إحاطته بمجمل التجربة الشعريّة العربيّة الحديثة لاستحالة هذا» ما جعله يقنع بنماذج كثيرة «متوزّعة جغرافيًّا بين أكثر من قطر، وممتدّة زمنيًّا بين أكثر من جيل».
نماذجه تجمع بين الشعر الشّطري والتفعيلي في الأغلب، وقصيدة النثر عند شاعرين اثنين فقط، لأنّها «أخذت حضورها ولا يمكن تناسي دورها ومكانتها في العطاء الشّعري الرّاهن». وهذا اعتراف صريح بقصيدة النثر مع أنّه كان يخشى أن يثير هذا «موقفًا سلبيًّا من البحث عند بعض ما لا يعترفون بهذا الشّكل من العطاء الشّعري».
لقد كثرت تقسيماته وتوزّعت فصول كتابه على: الموقف الاجتماعي، والموقف السياسي، والعاصمة في الشعر العربي الحديث، والمدينة والرّمز، وعلاقة المدينة بابنها المناضل والمدينة ، صورة وصفيّة، والمدينة الغربيّة في الشّعر العربي الحديث.
وهذا تقسيم تقريبيّ لا نهائي، لأن هذه الموضوعات تتداخل، وكان هو يعي هذا تمامًا، إذ قال «جيء به لغايات ضبط مسار البحث، واستيعاب أشكال دور المدينة لدى شعرائنا مع ملاحظة تداخل السياسي / الاجتماعي/ الأيدولوجي داخل بنية القصيدة/ بالتالي داخل صورة المدينة ذاتها في القصيدة. أمّا الفصل بين هذه الحالات فقد جاء لغايات الدراسة فقط مع التأكيد على سيطرة السياسي على ما عداه».
وعلى الرّغم من هذا التأكيد فإنّه اكتفى في موضوعة «المدينة رمز السلطة والقمع»، لحساسيّة الموضوع، بنماذج من الشعر الفلسطيني لمحمود درويش وسميح القاسم.
لا تثريب عليه في تقسيماته، فقد سبقه، مثلاً، المستشرق الإيطالي كارلو نالينو وتلميذه طه حسين إلى الأخذ بتقسيمات العصور الأدبيّة أخذًا غير حرفيّ لتداخلها مع أنهما لم يكونا مع فكرة «العصوريّة».
– 7 –
الفصل الأوّل «المدينة موقف اجتماعي» أكبر فصول الكتاب لتعدّد موضوعاته وتشعبها، وقد عكست نماذجه موضوعات الضياع، والإحساس بالخوف والقهر، والغربة والوحدة، والخراب والحزن، والازدحام، والمدينة السجن، والمدينة حالة مصطنعة، والمدينة موقف طبقي، والمدينة نقيض الرّيف ومسخه ودلالة على الرّحيل.
وعزا أكثر هذه الموضوعات إلى الأصول الريفيّة لكثيرين من الشّعراء (ص35) دون أن يغيب عنه «تمدين القرية» أو انتقال عالم المدينة إليها كما عند الشّاعر العراقي بُلند الحيدري مثلاً.
أمّا الفصول الأخرى على تفاوتها طولاً وقصرًا واختلاف مواقف الشعراء في موضوعاتها، فوقف في بعضها عند مفاصل مهمة من مثل قلّة المواقف الإيجابيّة من المدينة.
وأجاد في الفصل الرّابع «المدينة / الرّمز» في حصرها، تقريبًا، في: الوطن، والتاريخ، والشّعب والنضال، والقمع والسلطة. أمّا صورة المدينة الأجنبيّة الغربيّة فتتفاوت من شاعر إلى الآخر على وَفْق الموقف الفكري ومعطيات الإقامة المختلفة. الأظهر فيه ملاحظته أن بعض المدن الغربيّة كباريس مثلاً تكون مكانًا لاغتيال الفلسطيني كما عند محمود درويش مثلاً.
وذكر في فصل العواصم العربيّة قلة ورود «القاهرة» (ص167). لو أن هدفه كان الاستقصاء لوجد شعرًا كثيرًا فيها، لاسيّما أن «مصر» تعني القاهرة» عند الشعراء وغير الشعراء، كالذي عند خليل مطران، مثلاً، في قصيدته المشهورة «الجنين الشهيد» التي بدأها بقوله: «أتتْ (مصر) تستعطي بأعينها النُّجْلِ/ وعرْض جمالٍ لا يقاس إلى مِثْل»، وهي مثال صارخ على المتاعب الأخلاقيّة في مجتمع المدينة.
وينسحب الأمر نفسه على «بغداد» بغياب الشّاعرين مصطفى جمال الدّين وأحمد الوائلي مثلاً، وعلى «بيروت» بغياب نزار قبّاني لاسيّما في قصيدته المشهورة «يا ستّ الدّنيا يا بيروت». وهكذا..
– 8 –
ومن صوى منهج رضوان، كذلك، تركيزه في نماذجه على الجانب المعرفي لا على أهميّة الشعريّة والدلالة الرمزيّة، وعلى «ما تقوله القصائد لا على جمالياتها. على أن هذا لا يعني خلو البحث من إشارات موجزة تحمل حكمًا نقديًّا أو تحليلاً جماليًّا خاصة إذا تردّى النّص إلى حدود الخطاب التقريري».
إن تقرّي مادة الكتاب يؤكد هذا، ويكشف عن أن النقد القليل والإشارات الجماليّة تتبدّى في «هوامش» جانبيّة إلى يسار «المتن» على أجزاء من النماذج، من مثل تعليقه بين قوسين على قول ممدوح عدوان: «..وحده كان مع الضّجة في المقهى ككرسي قديم»، بقوله: (قمة الإحساس بالوحدة، ككرسي قديم أي مهمل).
وتعليقه في موضوعة «المدينة / الخراب والحزن» على قول أحمد عبد المعطي حجازي: «..هذي مدينة عطشى إلى الحب/ أشمّ عطرها كأنّه مواء قطّة»، بقوله: «كأنّه مواء قطّة تشبيه نادر ومميّز يبرز فيه تراسل الحواس بين حاسة الشّم وبين حاسّة السمع مع سيطرة مشاعر الضياع حيث يبدو الإنسان في المدينة وألمه مثل قطّة ضائعة». هذا يعني أنّه كان على دراية بقضية تبادل معطيات الحواس في النقد الأدبي.
وتعليقه على قول صلاح عبد الصبور: «وخرجت  من جوف المدينة أطلب الرّزق المتاحْ/ وخبزْت في ماء القناعة خبز أيامي قروشْ/ ورجعتُ بعد الظّهر في جيبي قروشْ/ شربت شايًا في الطريق/ ورتقت نعلي»، بقوله: «لاحظ تضمين المفردات البسيطة ذات الاستخدام اليومي المباشر، والنقل المباشر لحركة الواقع». وهذا التفات إلى ما شاع وانتشر في النقد عن ت. إس. إليوت من ضرورة اقتراب الشعر من لغة الناس في حياتهم اليوميّة.
– 9 –
سوف يظلّ هذا الكتاب من الجهود المميزة للرّاحل عبد الله رضوان، لكثرة ما قرأ له من الشعر العربي الحديث، وتركيزه على الموضوعات والمضامين دون إهمال تامّ للجماليات والنقد كما سلف، ولأن كلّ فصل من فصوله قمين بأن يؤلف فيه كتاب.

رضوان: «أشهد أن لا يقين على الأرض إلاّ الموت»

* ناقد وأكاديمي من الأردن

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش