الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جـلــــعـــاد يصعــــد الجبــــل

تم نشره في الأحد 16 حزيران / يونيو 2019. 12:04 صباحاً


مخلد بركات
«تأخرتُ في النومِ قليلاً فوجدتُ الأربعين التي هيأتها الأيامُ لغيري في انتظاري، أحسو قهوةً باردةً تحتَ قوسِ الرماد، وأرفعُ قامةً أخطأتْها الرِّيح».
لماذا تأخرت في النوم أيها البدوي؟ والأربعون مرت وئيدا، ليكبر الرفاق هناك في قريتك على مشارف الصحراء، وأنت بعيد عن حزن القبيلة، هناك في مدينة الضباب وحيدا مثل ذئب الفرزدق، وصديقك الغامض ما يزال على باب صالون الحلاقة في الزرقاء ينتظر، لم يعلم أن صاحبه انشغل بالكتابة والسياسة والعصافير، وغادر مبكراً إلى بيروت، في منتصف السبعينيات.
هل اتخذت «فرصة ثانية» يا أمجد، ليكون الواحد فينا أكثر من واحد، فتنام القبرات في أكوام من قش، برغم الحصادين وأسرجة الليل، ونداءات القرى، وعند الفجر تغادر بيروت إلى قبرص، كأنما خفت النضال قليلا، واتخذت الرحيلا ملجأ لاحتراف القلم والحبر، مقتنعا بأن الزمن هو الذي ينتصر في النهاية، وأن الحياة كسرد متقطع. «لتقل إنه الارتحال عن الوطن البدوي، فانحدرتَ مع الإبل، مع وبرها المتعطش للشعب والشعر، صوب الحجار الكبيرة، والجرف، والمدن المبهمة».
لماذا تنشطر فيك المرايا، لتصير أمجد ناصر، وكنت هناك خلف الريف البعيد (يحيى النميري النعيمات) فتى بدويا يطارد الفراشات في الحقول، ويصنع من رسائل الحبيبة طائرة ورقية، هل اندمج الاسمان في شاعر، امتلأ بالدنيا والرحيل، بالمفازات والصفير النحاسي وقامات الإبل؟، وصار مبدعاً يحترف الشعر، فينثر همسه لنا بأنه راعي العزلة، وأنه من ارتاح من سلطة الإيقاع، ومن الرواسم المكررة، ونجح في تعزيز المنحى.
في أواخر السبعينيات أصدرت مجموعتك الشعرية الأولى» مديح لمقهى آخر»  وبشرت وقتها بشاعر عراري لا تكف خيوله عن الطراد، ولم تمكث طويلا في محطة التفعيلة؛ لأن قطار التجديد حمل حقيبتك في حجرته العلوية لتغادر سرا إلى جلعادك، فتكتب على ضوء السراج رائعتك النثرية» منذ جلعاد كان يصعد الجبل» ثم يأخذك العمر إلى ذلك المكان في لندن حيث «وصول الغرباء» مجموعتك الشعرية الرابعة، وتظل بالشعر تسعى إلى آخر المدينة، إلى كشف عوالم الطفولة الغامضة، والأماكن العصية، والكون المصبوغ بالأحمر، فتجدد شكل القصيدة ومعناها، إنه التحرر المبهر في السرد عبر المرايا، عبر أعمالٍ شعريةٍ مركبةٍ، فيها من السيرة ومن المكان، من الواقع وشيء من الحلم، في نهاية المطافهي تداعيات الذاكرة، ورؤية العين، وأحلام النهار، هي تلك الأم البدوية في قصيدة الغياب:» «المرأة المقرفصة على هيئة غزالة معمرة « تحمل « الثِّفال « الغامض وقاموسَ عالمها الذي سيغيب بغيابها، إنها «الغزالة» كأنما الذاكرة تعيد تشكيل الحلم السليب والعالم البعيد، والوطن الذي يسكن القلب، حيث مرتقى الأنفاس.
وتظل الفراشات في جنبيك وادعات، خبط أجنحة قليل، وشعرية أوصلتك للعالمية، سندبادا بريا ومهاجرا يحل ضيفا على ذاكرته، وتنال أرقى الجوائز والأوسمة، كجائزة ابن بطوطة الخاصة بالرحلة، وجائزة محمد الماغوط للشعر، ويستلهم العديدُ من الفنانين العرب من روائع قصائد كل وحاتهم الفنية.
في لندن ألقيتَ عصا الترحال، وواصلت السير على ضفاف النهر الغريب، ثم إلى جريدة القدس العربي، محرراً ومشرفاً على قسمها الثقافي، وتهمس حينما تطالع النهر مجدداً: «غمام منحدر من أعالي البرج، برج نازل من أعالي السماء، نجمة خضراءخضراء في سلال العنب».
ها أنت اليوم من رواد الحداثة الشعرية، ومن رموز قصيدة النثر، تُترجم قصائدك إلى مختلف اللغات، ولكن؛ «ما الذي ينبغي قولُه أيها الفتى البدوي: للأرض التي نعرفُ فطرَها قبيل الرعد، ونعرفُ كبواتِ خيولِها، ورائحةَ قراها الجافة في العشيات، للمدينةِ المتكئةِ على أضلاعنا السبعة، للأصدقاءِ وهم يصطفون، للأمهاتِ وهن يهرمن بين الأبرة والخيط بانتظار الأولاد، والأولادُ لا يعودون».
يا يحيى؛ هل تراها القصائد قادرة أن تطفىء نيران الاسئلة، أم هو الحنين «يربي خرافه في الظل» فاتحا جروح الماضي؟!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش