الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفتى الأسمر.. أمجد ناصر

رشاد ابو داود

الثلاثاء 18 حزيران / يونيو 2019.
عدد المقالات: 139

الكل بكى حين رآه يدخل القاعة على كرسي متحرك. وكيف لا يبكي من يرى الصقر صار حمامة، والعصفور يتلعثم في الغناء. والشاب الذي كان طفلاً في المفرق و صبياً في الزرقاء قد شاب شعره وخذلته قدماه اللتان أخذتاه من رمل الصحراء الى بحر بيروت و قبرص الى ضباب لندن ؟!
لكن الفتى الأسمر، أمجد ناصر «يحيى النعيمي»، وبعد كل هذه السنوات، ظلت بداخله نجمة مضيئة يحملها أينما أجبرته الأيام على الرحيل. ظل بدوياً يتعطر داخله برائحة الحطب الأفضل لنفسه من هوغو بوس وكالفين كلايد و ديور وكل عطور باريس ولندن.
امتلأت قاعة الاحتفالية ذاك المساء القريب بنخبة من محبي أمجد، فاق عددهم عدد الكراسي الثابتة حول طاولات مستديرة، ليدخل أمجد على كرسي متحرك. لكأن القاعة تحركت برؤوس الحاضرين ودار الزمن بهم الى أمجد المتمرد الشجاع المقاتل، منهم من بكت عيونه ومنهم من بكى قلبه.
لكن أمجد كان اصلب منا كلنا، طلب الميكروفون، تكلم بعفوية، ضحك، وأضحك الجميع ذاك الضحك المُر. تحدث بنفس اللغة التي هو أحد أهم شعرائها و روائييها و كتابها و صحفييها. وبنفس المبدأ الذي من أجله تغرّب عن أمه و أبيه وعشيرته.
«منذ أن أطفأوا نجمة فلسطين أعتمت سماؤهم، ولن تضيء الا اذا عادوا و أضاؤها «. بهذه الجملة لخص أمجد ناصر حال الأمة بحروف كانت بالكاد تخرج من فمه الذي ألقى أجمل القصائد. وبيد مرتجفة غير تلك التي حملت السلاح تارة و القلم المحارب طيلة أربعين سنة، وقّع على كتابه الأخير «مملكة آدم «.
كان بين الحضور رجل لم يهده العمر، يرتدي الشماغ الأحمر، وجهه يشع نوراً وعيناه متقدتان كسراج ظل منيراً رغم تقدم العمر. هذا الرجل هو الضابط أبو يحيى، لم نكن نعرف اسمه الأول، فلم يكن مسموحا لنا أن نسأل المدرب، نحن الطلبة في ثانوية الزرقاء – قصر شبيب. كان ابو يحيى مدربنا في حصتي التدريب العسكري التي قررت على المدارس الثانوية غداة حرب 1967.
شاءت الصدف أن اتعرف الى أحمد النعيمي شقيق أحمد الأصغر. قلت له كيف انني تربيت في حي جناعة في الزرقاء و حدثته عن الملعب البلدي الذي كنا نلعب فيه يوم كان جزءاً من حرش ابو يوسف الشيشاني، وكيف كنا نرى الضابط يحيى وهو عائد الى بيته في جناعة فيلقي علينا السلام و نرد عليه بكل احترام. ضحك أحمد ضحكة عالية فاستغربت وسألته لماذا يضحك. قال : الضابط ابو يحيى أبوي، ونحن كنا نسكن بعد الملعب بقليل. أدهشني جوابه وشعرت أننا أبناء عم.
لم أكن أعرف أمجد ناصر شخصياً لكني كنت أقرأ له وعنه. وكان أول من نشر لي في «القدس العربي « الصادرة في لندن التي كان مدير تحريرها عن كتابي « لكم أنت بي – نكهة وطن « العام 2008 والذي كان أول من كتب عنه للجريدة العزيز يحيى القيسي.
ذكرت اسم أمجد في حديثي مع أحمد فقهقه مرة أخرى وقال : أمجد ناصر أخوي. نعم !! ماذا تقول ؟؟ قال: هو أخوي يحيى. وحكى لي حكاية يحيى الذي أصبح أمجد ناصر، ومن يومها ظلت جناعة والصحافة والأدب تجمعني بأمجد، نلتقي بين حين آخر، على صفحات جريدة أو بين دفتي كتاب.
أمجد ليس شخصية نادرة في هذا الزمن، انه حالة ثابتة رغم التحولات و المنحدرات.
احتفينا بأمجد والتقيناه لكن.. ما أصعب اللقاء حين يكون للوداع!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش