الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بغداد وأنقرة ...وواشنطن بينهما

عريب الرنتاوي

الاثنين 24 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
عدد المقالات: 2997
منيت أحدث محاولة أمريكية (أشتون كارتر) التوسط بين بغداد وأنقرة بـ “نصف فشل”، لم تقبل بغداد بحضور تركي عسكري في معركة الموصل، بيد أنها لم تغلق الباب تماماً بوجه أشكال أخرى من الحضور في المشهد العراقي، على أن تأخذ أشكالاً “إنسانية” حيناً و”تدريبية/ استشارية” في أحيان أخرى، وترك الملف برمته، لبحث تفصيلي لاحق.
لا ترغب بغداد في فتح معركة مع جارتها الشمالية، فلديها ما يكفيها من مشكلات الداخل، سواء ما اتصل منها بهشاشة التركيبة السياسية وأزمة الثقة بين المكونات، وصولاً للحرب المفتوحة مع “داعش” وعليه ... ثم أن بغداد تدرك تمام الإدراك، أن لأنقرة بعض الحلفاء في الداخل العراقي، الذين لا يمكن تجاهلهم تماماً، سواء من بين أكراده أو من بين عربه السنة، على الرغم من وجود أغلبية عراقية واضحة، تصطف الآن في مواجهة “الغطرسة” التركية، التي تخطت كل حدود اللياقة في التعامل مع العراق، وضربت عرض الحائط بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.
يفسر ذلك، إحجام الحكومة الاتحادية في بغداد عن سلوك طريق التصعيد مع أنقرة، حيث لم تفعل سوى استدعاء السفير على خجل لمرتين متتاليتين، فيما لا أحد يعرف مصير “الشكوى” العراقية المرفوعة لمجلس الأمن، ولم يقدم الدكتور حيدر العبادي على التلويح بورقة “العلاقات التجارية والاقتصادية” بين دولتين تفوق تجارتهما البينية الـ “15 مليار” دولار، فذاك سلاح ذو حدين، سيضر بالعراق مثلما يضر بتركيا.
في المقابل، وبعيداً عن “عنجهية الباب العالي”، يعلم أردوغان علم اليقين، أنه في ورطة “عراقية” حقيقية ... لا يستطيع التراجع، وإلا سقطت “هالة” الزعيم الذي لا راد له، وبالتأكيد فإن جملة من المصالح التركية في العراق ستصاب بضرر فادح ... منها على سبيل المثال لا الحصر: الخشية من تمدد خصومه الأكراد وتزايد نفوذهم، ومنها التحسب لتسرب داعش إلى داخل تركيا، ومنها عدم ترك العراق “كله” تحت السطوة الإيرانية، وخروجه من “مولد الموصل وما بعدها بلا الحمص”.
يعرف أردوغان، أن الولايات المتحدة بعشرات ألوف الجنود من عشرات الدول، وبمختلف أنواع الأسلحة وأكثرها تطورها، ومئات المليارات من الدولارات، لم تستطع الصمود والبقاء في بلاد الرافدين، وهو إن أصر على “ركوب رأسه” سيجد نفسه متورطاً في مستنقع، سيرتد عليه وعلى إرثه الشخصي وموقع حزبه، والأهم على تركيا بمجملها، وقد يفتح التورط التركي في العراق، أبواب جهنم على بلاده.
لن يقبل “قسم كبير” من العراقيين، بوجود احتلالي تركي في العراق، والحشد الشعبي على وجه الخصوص، جاهز لخوض معركة استنزاف طويلة الأمد مع تركيا، ولديه الدافعية لذلك، وسيجد حلفاء له من “القوميين” و”الكرد العراقيين والسوريين والأتراك”، مدعوماً بعمق إقليمي يمتد من طهران حتى الضاحية الجنوبية لبيروت، وسيجلس كثير من حلفاء أنقرة على مقاعد المتفرجين، بانتظار سقوط الثور التركي مضرجاً بدمائه، ولعل أهم درس من الدروس التي تكشفت عنها المحاولة الانقلابية، أن لتركيا حلفاء وأصدقاء لا حاجة لها للأعداء بوجودهم.
تركيا، وخلف ستار كثيف من دخان التصريحات المضللة، تبحث عن “مخرج” يحفظ لها ماء الوجه، ويبقي لها على بعض مصالحها في العراق، ولتركيا مصالح في العراق، لا يجوز لعاقل إنكارها، ولديها مخاوف فيه ومنه، يتعين تبديدها ... لكن المطلوب من أنقرة على وجه الخصوص، ومن الرئيس التركي ورئيس حكومته، بشكل خاص، أن يهبطا عن قمة الشجرة التي صعدا إليها، وأن يتذكرا جيداً، بأن العراق لم يعد ولاية عثمانية، وأن “خراجه” الذي توقف عن التدفق للباب العالي منذ أكثر من قرن، لن يعود للتدفق إليه من جديد، وأن حسن الجوار و”صفر مشاكل” مع بغداد، هي الصيغة الأسلم لإعادة بناء العلاقات العراقية – التركية، واستتباعاً العلاقات العربية – التركية، إن كانت هناك ما تزال بقية من “عرب” و”عروبة”، وما ينطبق على العراق ينطبق على سوريا، بقدر اكبر.
مشكلة العلاقات العراقية – التركية، أن “ساكن القصر الأبيض” في أنقرة، ما زال يخفي تحت ثيابه الأوروبية الحديثة والأنيقة، جلابيب السلاطين السلاجقة والعثمانيين، وأن الأحلام الإمبراطورية ما زالت تراوده، وتقفز من “مخيتله” إلى لسانه، من دون ضوابط، فالرجل يريد أن يعيد فتح “معاهدة لوزان”، وأن يعيد ترتيب خرائط بلاده، بما يفتح حرباً لا نهاية لها، ليس مع سوريا والعراق جنوباً، بل ومع اليونان وبلغاريا على حدوده الشمالية والشرقية ... إنها مقامرة، ليست محسوبة على أية حال، وأحسب أنها “طريقاً مختصرة”، أو بداية نهاية الحقبة الأردوغانية– التركية في المنطقة التي امتدت لأكثر من عقد من الزمان، إن ظل الحال على هذا المنوال.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش