الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جلب المصالح ودرء المفاسد

تم نشره في الجمعة 12 تموز / يوليو 2019. 01:00 صباحاً


د. أحمد الريسوني
هناك قاعدة شهيرة ومسلمة – أو شبه مسلمة – فى الفقه الإسلامى، بل هى سيارة على ألسنة الدعاة والوعاظ وكثير من الناس، وهى قاعدة « درء المفاسد مقدم على جلب المصالح «.
وهى تعنى أن المكلف إذا كان بصدد جلب مصلحة لكن تلازمها أو تعترضها مفسدة فليترك تلك المصلحة حتى لا يقع فى المفسدة الملازمة لها. وهكذا كلما اختلطت علينا المصالح بالمفاسد، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، أى أن الأولوية للسلامة من المفاسد والمحظورات، ولو بالتضحية بالمصالح والمشروعات. ويعبر عن هذه القاعدة بعبارات أخرى مثل قولهم « الاجتناب مقدم على الاجتلاب « أى اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح.
ومما يستدل به على هذه القاعدة الحديث النبوى المتفق عليه : ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ). فالحديث جازم فى ضرورة اجتناب كافة المنهيات، بينما المأمورات خففها وعلقها بالاستطاعة.
والحقيقة أن الاجتناب إنما كان لازما فى جميع المنهيات، لكون الاجتناب دائما فى الإمكان وفى المستطاع لأنه عبارة عن الإمساك وعدم الفعل. وعدم الفعل يستطيعه الجميع فلا يحتاج إلى قدرة أو جهد، أو سعى أو وسائل.. بخلاف المأمورات فهى بحاجة إلى جهد وسعى وبذل، ووسائل وإمكانات.. وكل هذا قد يكون بالإمكان وقد لا يكون، ولذلك علقت الأوامر بالاستطاعة.
فليس فى الحديث دلالة صريحة ولا صحيحة على أفضلية درء المفاسد على جلب المصالح وليس فيه دلالة على أولوية الاجتناب.
   وقد تناول أبن تيمية هذه القضية فى بحث فلسفى عميق ومفصل، قال فى مطلعه ( قاعدة ) فى أن جنس فعل المأموريه به اعظم من جنس ترك المنهى عنه، وأن جنس ترك المأموريه أعظم من جنس فعل المنهى عنه، وأن مثوبة بنى ىدم على أداء الوجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات، وأن عقوبتهم على فعل المحرمات ( مجموع الفتاوى ( 20/85).
وقد استدل رحمه الله على هذه القاعدة من وجوه عديدة أوصلها إلى اثنين وعشرين وجها، وفى كل وجه عدد من الأدلة : ( مما يبين أن اتباع المر أصل عام، وأن اجتناب المنهى عنه فرع خاص ) ويؤكد ( ان فعل المأمور به أصل وهو المقصود وأن ترك المنهى عنه فرع وهو التابع ).( مجموع الفتاوى 20/116).
ومما يستدل به القائلون بأفضلية اجتناب المنهيات والمفاسد كون التقوى – وهى عماد الدين وجماعه عبارة عن التوقى والاجتناب للمعاصى والمنكرات والمفاسد، وعلى هذا فالخير كله فى الاجتناب.
وقد رد عليهم ابن تيمية ردا مطولا وبليغا، قال فى بدايته : ( ومن الذى قال : إن التقوى مجرد ترك السيئات، بل التقوى كما فسرها الأولون والآخرون ): فعل ما امرت به وترك ما نهيت عنه. كما قال طلق بن حبيب لما وقعت الفتنة : اتقوها بالتقوى قالوا وما التقوى ؟ قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله. وأن تترك معصية الله، على تور من الله تخاف عذاب الله.
وقد قال تعالى فى أكبر سورة فى القرآن : ( الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) البقرة : 1-3
فوصف المتقين بفعل المأمور به من الإيمان والعمل الصالح من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة : 21.
 وقال : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) البقرة : 177.
وهذه الآية عظيمة جليلة القدر من اعظم آى القرآن وأجمعه لأمر الدين. وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن خصال الإيمان فنزلت.. وقد دلت على أمور :

   أحدها : أنه أخبر أن الفاعلين لهذه الأمور هم المتقون، وعامة هذه الأمور فعل مأمور به.
   الثانى : أنه أخبر أن هذه الأمور هى البر وأهلها هم الصادقون، يعنى فى قوله: (مَنْ آمَنَ ).
وعامتها أمور وجودية هى أفعال مأمور بها. فعلم أ المأمور به أدخل فى البر والتقوى والإيمان من عدم المنهى عنه. وبهذه الأسماء الثلاثة استحقت الجنة كما قال تعالى : (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) الإنفطار : 13، 14.
 وقال : ( أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ص: 28.
    (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ) القمر : 54.
 وقال : (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لّا يَسْتَوُونَ ) السجده : 18.
أ هـ ( مجموع الفتاوى 20 / 133 ).
وقبل ابن تيمية نجد الفخر الرازى – المفسر الأصولى المتكلم ؟ يسجل تنبيها عميقا عند تفسيره آية الحديد ( من سورة الحديد ) حيث قال رحمه الله : ( مدار التكليف على أمرين : أحدهما : فعل ما ينبغى فعله. والثانى ترك ما ينبغى تركه، والأول هو المقصود بالذات، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد لأن الترك كان حاصلاً فى الأزل).
يعنى : لو كان القصد الأساسى من الخلق ومن التكاليف هو ترك المنهيات واجتناب الفاسد، لكان أفضل تحقيق لذلك هو عدم خلق البشر. ومعنى هذا أن الناس خلقوا اساسا ليفعلوا لا ليجتنبوا.. وإنما يجب اجتناب المنهيات ومفاسدها، بسبب ضررها بالمأمورات ومصالحها. وهذا ما عبر عنه ابن تيمية بقوله : ( فعل المأمور به أصل، وهو المقصود وأن ترك المنهى عنه فرع، وهو التابع ).
ومن لطائف التشبيهات للمسالة، ما قاله الرازى عند تفسير قوله تعالى :

            (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )  النساء : 165.

حيث قال : ( وإنما قدم البشارة على الإنذار، لأن البشارة تجرى مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجرى مجرى إزالة المرض. ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثانى فلا جرم وجب تقديمه فى الذكر ). وهى الفكرة التى فصلها ابن تيمية وابن القيم، حين اعتبرا أن الأوامر والمصالح بمثابة الغذاء، وأن اجتناب الناهى والمفاسد بمثابة الحمية والدواء. ولا شك فى أولوية الغذاء، وأنه هو الأصل فى صحة الإنسان وقيام حياته، وأن الحمية والدواء فرع واستثناء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش