الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

معضلة العنف .. والذهنية المسلمة

تم نشره في الثلاثاء 16 تموز / يوليو 2019. 09:40 صباحاً
د. محمد عبد الفضيل

د. محمد عبد الفضيل*

ناقش أحد المؤتمرات التي نظمها المعهد الملكي للدراسات الدينية بعمّان قبل عدة شهور مسألة «العنف من منظور فقهي»، وقد تبارى المتحدثون للتأكيد على النفي القاطع لوجود العنف في الإسلام، أو رفضه المطلق للعنف، ووجد المتحدثون أنفسهم مدفوعين دفعًا إلى تناول بعض النصوص في هذ السياق وتحليلها وتوضيحها بما يخدم تأطير الرفض الديني لمبدأ العنف وممارسته، وللتأكيد على أن ما ورد بشأن العنف في السياق الديني (الإسلامي في المقام الأول) يجب ألا يفهم على  معناه الظاهر الذي لا يؤدي إلا إلى ممارسة العنف إيًا كانت صورته. وعلى طريق هذا التأكيد على الرفض القاطع - وقبل ما اعتدت عليه من نقد الذات - لدي في البداية ثلاث ملاحظات جوهرية:

أولًا: لم يهتم الفقه في التراثي الإسلامي بتحريم العنف صراحة، ولم يستخدم المصطلح في الأساس،  الكلمة ليست من أبجديات التراث الإسلامي، بل اهتم بتقنينه وتنظيمه في أبواب «الحدود» و»الجهاد» والتعامل مع «المرأة الناشز» و»العبد الآبق» و»الطفل غير الراغب في تأدية الصلاة».
ثانيًا: في إطار هذا التقنين التزم الفقه الإسلامي بمبدأين: الأول، مبدأ الدفاع وعدم العدوان في سياق الجهاد، وهو مبدأ راسخ في سورة التوبة التي نهت قطعيًا في سياق غاضب بدأ بكلمة «براءة من الله ورسوله»، نهت قطعيًا عن العدوان: «فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم»، والمبدأ الثاني مبدأ تربوي-تأديبي حيث أباح القرآن نصًا ضرب المرأة الناشز «فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن»، وأباحت السنة ضرب الطفل الذي بلغ العاشرة ولا يصلي «... واضربوهم عليها لعشر».
ثالثًا: علينا أن لا نغفل أننا وبلا شك في معرض الدفاع، نعقد المؤتمرات أو ندعى إليها لنتحدث عن موقف الدين من مصطلحات حديثة معاصرة بهدف إثباتها أو نفيها، وهذا في حد ذاته له جانب إيجابي، طالما أدرك الإنسان قيمًا ومفاهيم عصرية تقدمية يجب على الخطاب الديني أن يقبلها، أو يتبناها، أو على الأقل أن يعترف بإيجابيتها مثل المواطنة والديموقراطية، أو مفاهيم أخرى سلبية يجب أن ينأى بنفسه عنها، أما الجانب السلبي لهذا كله فيكمن في أن الخطاب الديني ما زال وبعد سنوات طالت في معرض الدفاع عن نفسه، وذلك لأسباب عدة لا يتحمل المقام الخوض.
وبعد هذه الملاحظات الثلاث، وقبل أن أطرح بعض التساؤلات النقدية العالقة في ذهني، اسمحوا لي أن اتحدث عن واقع القرآن والسنة اللذين تناولا مفهومي الرحمة والرفق في سياقات لا استثناء فيها، الأمر الذي يؤكد، على الأقل انطلاقًا من هذه النصوص، أن العنف ليس السمة الأساسية التي تتسم بها النصوص المقدسة الإسلامية، فالله عندما أراد أن يعرف بنفسه في القرآن فعلها مرتين، مرة في المقابلة الأولى بين محمد النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل سيد الملائكة، وفيها عرف الله نفسه بالمعلم «الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم»، والثانية عندما أراد أن تكون السطور الأولى في ترتيب المصحف هي التي يقول فيها «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم»، وفي طيات المصحف يجعل الله الرحمة هي الصفة الوحيدة التي تنفرد بأنها «وسعت كل شيْ» في تفريق واضح بينها وبين أسمائة وصفاته الأخرى، فقال: «ورحمتي وسعت كل شيء»، وفي السنة تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه»، في صحيح مسلم أن النبي صلىالله عليه وسلم  قال لها: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه.»
السؤال هنا: إذا كان المنزل لهذه النصوص أو الناطق بها عنيفًا أو محبًا للعنف أو داعيًا إليه وداعمًا له، ألسنا إذن بصدد تناقض واضح وجلي؟ أم أننا بصدد مناقشة تدرج يمر به التعاطي البشري الآن مع القيم الإنسانية تعاطيًا وصل إلى خطوة متقدمة جدًا في رفض أشكال العنف والكراهية، وهي خطوة لم تكن قد وصلت إليها الثقافة البشرية التي جسدت سببًا لوجود هذه النصوص «ولو كانت مقدسة»؟
وإذا انطلقنا من أن منزل هذه النصوص هو الله سبحانه وتعالى، أو بالأحرى هذا هو كلامه القديم، فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل يملي علينا الله ما يجب علينا أن نفعله ويلزمنا به إلزامًا، أم يتعاطى مع سياقنا الذي نتعايش فيه أخذًا وردًا؟ وإن كان الأمران صحيحين، فإلى أي مدى يكون الإملاء حاصلًا، وإلى أي مدى يكون التعاطي واردًا؟ أو متى يكونه شأنه – تعالى - الإملاء ومتى يكون شأنه التعاطي مع سياقاتنا التاريخية؟ أطرح هذه التساؤلات لأننا من وجهة نظري كباحث في مجال الأديان المقارنة كثيرًا ما نناقش النصوص الدينية دون النظر إلى ما ورائها ودون أخد سياق نزولها في الاعتبار، وهنا كثيرًا ما تفيدنا مفاهيم أصولية فقهية ننأى كثيرًا عن الأخ بها مثل العام والخاص، الثابت والمتغير، القطعي والظني، المحكم والمتشابه، الأمر الآخر أننا أيضًا لا نهتم كثيرًا بمقصود الله وشأنه وإرادتهوتعاطيه مع البشر ولغاته وثقافاته.
مازال هناك نوع من القصور الفكري في التعامل مع سياق ضرب المرأة في القرآن وكذلك ضرب الطفل البالغ عشر سنوات لدفعه للصلاة. النصوص في ظاهرها تدعو إلى العنف أيًا كان السبب والهدف، ومنذ أن تناول المفسرون والفقهاء هذه الآيات في عصور لم تكن تنبذ العنف وحتى يومنا هذا تبتغي الاجتهادات تأويلًا يدفع عن هذه النصوص ما يلحق ظاهرها من عنف بشري، حتى وجدنا أنفسنا في هوة سحيقة أمام الأصوات التي تنادي بعدم «الضرب» وتحريم أقل صوره وتجريمه، ومازلنا نبرره حتى في أدنى مستوياته ولو باستخدام المسواك أو بشروط تنتهى بإباحة الضرب مع تجنب الوجه والأماكن المؤلمة، وهكذا .. في نهاية المطاف العنف قائم ولكنه ليس مبرحًا .. فتتضاعف المصيبة لأنه بذلك بلا فائدة؟!
أصبح الهدف ليس الدفاع عن النص بل المعنى الظاهر له، بل الأمر تخطى ذلك كله إلى التأكيد على وجوب (أو إباحة) تطبيق النص الداعي للضرب - تأديبًا أو زجرًا - تطبيقًا حرفيًا، وكلها تأويلات لا تصمد أمام رقيّ الأصوات المنادية بالمنع أو التحريم العام والمطلق، لك أن تقارن بين من يحرّم العنف ولو في أدنى صوره، ومن يؤكد عليه ولو في أدنى صوره، أيهما أقرب إلى الله. لا أعلم لماذا لا نتعامل مع هذه النصوص كما تعاملت كثير من دور الفتوى مع نصوص العقوبات الجسدية كالرجم وقطع اليد؟ لماذا المنهج هنا متغاير؟ لماذا استبدلت العقوبات الجسدية، ولم تستبدل عقوبة المرأة والطفل؟ أو لماذا لا نستند على السنة النبوية العملية التي روت رفض النبي صلى الله عليه وسلم سلوك أحد الصحابة في تطبيق آية الضرب على زوجته؟ أو لماذا لا نتعامل مع الآية تعامل مقاصدي حضاري كما تعامل الخليفة عمر رضي الله عنه مع آية «المؤلفة قلوبهم»؟ أم لماذا لا ننظر لما رواه السيوطي في كتابه «تدريب الراوي» عن ابن حجر حيث قال «ليس كل صحيح يُعمل به»؟ لماذا لا نتصور أن الله – عز وجل – تحدث عن الضرب (إن كان يعنيه لفظًا) لأن السياق التاريخي والوعي المجتمعي كانا يتحملانه ويستدعيانه، وأنه لن يغضب إذا حرّمناه (أو عطلناه) لأن السياق والوعي لا يتحملانه؟ وكيف يغضب وهو الآمر دومًا بالمعروف؟
وبمناسبة الحديث عن السياق أود أن أستند هنا على آيتين من القرآن الكريم ربما تساعدنا جميعًا على النظر للأمر نظرة تعين على إيجاد جواب على تلك التساؤلات، الأولى يقول الله فيها: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» أي أن التغيير والتبديل لا يدفعه الله دفعًا من السماء إلى الأرض إلا إذا تغيرت طباع الناس وسلوكياتهم، وفي آية أخرى في سياق العنف: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولإن صبرتم له خير للصابرين، واصبر ما صبرك إلا بالله». وكأن الله يريد أن يخبرنا: (إذا أردتم أنتم عقابًا فافعلوا ولكن بضوابط، ولكن الأمر الإلهي المستقل عن إرادتكم هو أن تصبروا وما صبركم إلا بالله).
لقد بدأ الخطاب الديني وبخاصة في القرون التي تلت ثورات التنوير الأوروبية ثم سقوط الخلافة العثمانية، ومع ظهور مفاهيم حديثة تعلي من شأن قيمة الفرد، ثم مع ظهور جماعات التطرف والعنف، بدأ الخطاب الديني في تأويل كثيرٍ من النصوص الدينية التي تحمل طابع العنف، سواء كان ذلك في سياق الجهاد، وأحتفظ له باصطلاح «التأويل»، أو في سياق التربية وأتحفظ هنا على اصطلاح التأويل وأستبدله «بالتبرير».
فبغض النظر عما ورد عن بعض الشافعية ممن نادوا بجهاد الطلب، أي طلب الحاكم الخروج لمحاربة المشركين، يؤكد الخطاب الإسلامي الآن على أن الجهاد في الإسلام هو جهاد الدفع، أي الدفاع. فهذا نوع من أنواع العنف الذي يحمل الخير، في مقابل عنف العدو الذي يحمل الشر، أو بتعبير آخر، عنف مرفوض يقاومه عنف مفروض.
وفي مجال التربية والتأديب، يأول الخطاب الديني كثيرًا آية ضرب المرأة بأنه ضرب غير مبرّح ويكفي الرجلَ أن يستخدم سواكه، وكأن المرأة الناشز التي لم تتعظ بالنصح، ثم بالهجر، ستتعظ بضربة بالسواك، الذي ربما يكون دافعًا لضحكها وسخريتها من الرجل الذي يود تأديبها أو تربيتها إن لم يكن عقابها.
هناك إذًا خطاب إنساني معاصر متحضر يحاول الخطاب الديني أن يتناغم معه بتأويل بعض النصوص قطعية الثبوت، وليس هذا فقط التحدي الوحيد الذي يواجهه الخطاب الديني، بل أيضًا الوعي الديني العام المحتضن لمظاهر العنف التي رسخ لها هذا الخطاب الديني في الماضي.
فهل الأنموذج القيمي الإنساني المستحضَر من السياق المعاصر هو أنموذج قابل للحياة في المجتمع العربي الإسلامي الذي ارتبط وعيه الديني الإسلامي بتبرير العنف وتأويله؟
السؤال المعاكس: إلى أي مدى يقوى التأويل اللغوي للنصوص الدينية العنيفة في معانيها الظاهرة (قرآنًا كانت أم سنةً) على الصمود أما الأنموذج القيمي الحديث الذي يرفض أدنى أشكال العنف ولو كانت كلمة أو ضربة بمسواك؟
قد يقول قائل إنه لا ثمة تعارض بينهما، وقد يجيب عليه آخر: لو لم يكن هناك تعارض فلماذا غاب حتى الآن الخطاب الديني القادر على التأثير على الذهنية الإسلامية العامة تأثيرًا حقيقيًا، تغيب معه كل أشكال العنف ضد المرأة والطفل في عالمنا الإسلامي؟
بسم الله الرحمن الرحيم «لإن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين» صدق الله العظيم. 

 

*عضو مركز الحوار بالأزهر الشريف

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش