الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حبيسة الكتب

تم نشره في الأربعاء 24 تموز / يوليو 2019. 01:00 صباحاً


نريمان نزار محمد
كانت تجربتها الجامعية في بدايتها أضغاث أحلام وأوهاما، لم تشهد في ماضي عمرها شيئا مماثلا، فسنوات ( جميلة)  -التي خلت وولت - كانت بسيطة نقية،  كل من يحوم حولها لطيف وصادق،  اعتادت أن تقول ما في داخلها دون حرج أو وجل..
أما هذا العالم الجديد فسيح بلا حدود،  سكانه غرباء،  يصعب عليها التكهن بأفكارهم وسلوكاتهم وردود أفعالهم،  وهذا أمر منطقي فكل منهم آت من بيئة ومنبت لا يشبه الآخر،  عالم من المتناقضات والعلاقات المتداخلة المنصهرة...
التهمتها براثن الغربة والوحشة في ذلك المكان، فآثرت اللجوء إلى صديقة كانت دوما نعم الملجأ،  اتخذت المكتبة مستقرا ومقاما، قضت فيها ساعات وأياما وأسابيع،  تنهل من نبعها ما يسد عين الشمس.
عاشت في عزلتها المكتبية أمدا، لا خليل ولا جليس إلا الكتاب، بحروفه وتراكيبه وأفكاره، أصبحوا العائلة والوطن..
لكن حان وقت تحطيم قضبان السجن الحديدية،  وكسر الجرة، تمهيداً لخروج الانسان القابع في الزاوية حبيسا، حان وقت العودة بالزمن إلى العالم الحقيقي، حيث البشر - الذين لا نقوى على محو وجودهم من حياتنا - فنحن بطبعنا اجتماعيون، نتحدث ونستمع، نتفاعل مع الغير، نؤثر فيهم ونتأثر بهم، في وقت اشتداد الظلمة نتوق الى نور على نور...
ذلك كان حوارا داخليا في نفسها الوحيدة، وصراعا داخل قلبها التعب، انتهى بيقين حاجتها إلى إنسانة تكون نصفها الآخر كي تشكلا واحدا كاملا ...
وجدت في أميرة ذلك النور المرتقب، بعد أن التقت بها صدفة على باب المكتبة ذات يوم، شعرتا بتناغم وتجانس يجمع بينهما، تخاطبتا بالعيون قبل الشفاه.
بدأت (جميلة) رواية أحداث قصتها مع (أميرة) قائلة:
ذات صباح وأنا خارجة من مبنى المكتبة، أثارت انتباهي صورة فتاة ذات جمال فطري، شعرها كستنائي متهدل، عيناها بلون العسل،  ملامحها عربية أصيلة، مع بروز نفحة من ( الموضة) الحديثة في اختيارها ملابسها.
منذ الوهلة الأولى شعرت أنها ستحدث تغييرا في بيداء حياتي، توجهت نحوها خطوة خطوة، ومقابل كل خطوة مني تتقدم هي خطوة ، وعندما وصلنا منتصف الدرب، تصافحنا وتعارفنا.
كانت تكبرني بعامين، خاضت خلالهما الكثير من التجارب، ودخلت في علاقات مع زملائها وزميلاتها، الأكبر منها سنا والأصغر، وهذا منحها قدرة على تفهم ماهية الطبيعة البشرية، والفكر الناضج الذي دعمته دراستها علم النفس وعلم الاجتماع، كذلك لمست داخل روحها موهبة تلوين الواقع الرمادي الحالك، بألوان فرح ومحبة، تفاؤل وحماس، نادرا ما كنت أجدها حزينة كسائر البشر، مهما تعاظمت المآسي، وغزرت الأحزان، تقول كيف أيأس وفي السماء إله أقرب إلينا من حبل الوريد، يعلم الظاهر والباطن، رحيم بعباده..
كما كانت تردد قول الشاعر  (ضاقت فلما استحكمت حلقاتها/ فرجت وكنت أظنها لا تفرج).
اصطحبتني الى الملتقيات الثقافية، المحاضرات والاجتماعات، كما شاركنا في مبادرات وأنشطة تطوعية داخل الجامعة وخارجها، كنا اذا ما وصلت أسماعنا معلومة عن معرض فني او تراثي نفرنا خفافا وثقالا لتقديم المساعدات في كل ميدان متاح كالتنظيم والتنسيق حتى العمل اليدوي كنا نمارسه بحب وعطاء.
كانت أيامنا معا أجمل وأروع أيام عمري، لكن الدنيا تستاء إن رأت أحدهم سعيدا رغيدا، فتسعى بكل ما أوتيت من قوة وسطوة لقلب حياته، وتحطيم بناء روحه، فتوجه له ضربة قاضية لا تقوم له قائمة بعدها، كان خبر وفاة توأم روحي، ونصفي الثاني القشة التي قصمت ظهر البعير، وأفقدني الوعي، وسحب من روحي الحياة، عاد الكون رماديا باهتا شاحب الملامح، منهك القوى، بقيت على هذه الحال أمدا لا أدري كم لبثت.
وفي إحدى الليالي جاءتني أميرة في حلمي معاتبة، قالت: «هذا قضاء الله وقدره، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن..
أعرف أن الفراق مرير يعتصر القلب ألما وحرمان، لكن لا زالت الحياة أمامنا، فاتحة ذراعيها لمن يرغب في أن يكون ذكره مخلدا إلى ما بعد الزمان.  صديقتي ابقي محافظة على العهد الذي قطعناه معا، بأن نرسم لوحات جمال وعطاء ومحبة، وأن نترك أثرا ايجابيا في نفوس من نتعامل معهم. «
كلامها بعث فيّ الحماسة، والرغبة في رد الجميل لمن أحدثت في حياتي فرقا، شكر وامتنان يتجاوز حدود الخيال.
وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى الجامعة وفي قلبي إصرار على اتمام مسيرة نهر عطائنا العذب.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش