الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جلجامش المسرح العربي إلى محمد القباني..

تم نشره في الجمعة 5 حزيران / يونيو 2015. 03:00 مـساءً

خليل نصيرات*

رويدك يا صديقي..
كأول المحبة أسلمت قلبك للحرية، ولما تزل روحك لا تطابق مواصفات الموت يا أبا توفيق، ما زالت هناك أدوار لم يخلدها بعد صوتك العالي، كيف غادرت الصوت المتوج بالورد من دون استئذان!

أيها المقدسي النبيل..
لقد صعدت الطريق وعيناك تنبضان بآخر الوصول، حتى إذا ما وصلت، تحول النبض إلى شهيق وأصبحت رؤياك مقطوعة نبضية لإبراهيم طوقان، بكل الشعر ألقيت الزهور على مدينة الصلاة.
ها قد وصلت «الموطن» يا محمد
حيث الجلال والجمال.. والسناء والبهاء
وغفوت
«سالماً منعماً.. وغانماً مكرما»
كأني أراك يا صديقي، يا صديق الهمة
كأني أراك في علاك.. تبلغ السماك
ها قد نهضت «وصافحت الكوكبا»
حيث لك» فؤاد يخفق» و»محب ينطق»
لنعل الوطن
فلنعم الوطن
وفيت للحياة يا أبا توفيق، «وفي بعض الوفاء» مفخرة، وها أنت قد بدوت ونحن حاضرون لكنني «أرى أن داراً لست من أهلها قفر» (1)
وفيت للحياة»عصي الدمع شيمتك الصبر»لكنه الموت أضواك فبسطت له يد العمر، وأذللت نبضاً «من خلائقه الكبر».
يا خير مفتقد..
لا توصنا بالجلد، أوصنا بالحزن، فلمثلك تسخو العيون فـ»جل المصاب عن التعنيف والفند».
إذن!
لم يسرق المرض زهرة الخلود يا أبا توفيق، لم تغير لونها النضر ملحمة «الكيماوي» والشراشف البيضاء، لنبدل أدوار البطولة صديقي.
نحن الآن جلجامش يا أيها الملك، ونطالب شغفك بعشبة خالدة لنضمد بها حزننا على «انكيدو»
فلنتبادل الآن أدوار الصداقة، ولتبحث معنا عن «أوتنابشتم» ولتستمع إلى نصيحته وتبقى ستة أيام وسبع ليال على سريرك الأبيض مستيقظ القلب والبصيرة.
استمع لنصيحة رجل الخلود «أوتنابشتم» يا أيها الملك حتى تعود معنا إلى «أورك» ونزرع معا العشب الخالد على أسوارها العالية.
إذن!
ها هي زهرتك، سور من أشجار الأرز العالية، تطاولت بينها كجذع صلب وحاربت الحارس، هل تذكر الحارس المارد «خمبابا» الذي كانت أنفاسه ناراً وموته أكيداً، الذي حاربته طوال عمرك؟ هل تذكر حلمك حين قلت «رأيت يا صديقي رؤيا أننا نقف في وهرة جبل، ثم يسقط الجبل فجأة، وكنا أنا وأنت كأننا ذباب صغار.. ورأيت في حلم ثان أن الجبل يسقط». (2)
لقد انتصرت على المارد يا صديق وأهديت للغابات ماء الخلود، ملكت الأشجار باحتطابك الخضرة والندى وفضة المدى.
هل عرفت الآن يا محمد القباني ما هي زهرة خلودك! وأنت الذي بين يديك أزهار من خلود، إنها ياسمينة القدس التي ضوعت عطرها في كتاباتك، ونثرت بياضها في حارات القدس العتيقة.
أأدركت الآن في غفوتك الهادئة سر الخلود!
توقفنا عندك قليلاً وتفكرنا كثيراً واستمعنا لك كثيراً يا أيها الصوت الشجي»الصوت الجميل الذي يسرقك من نفسك ويعيدك إليك، يأخذك ويردك». (3)
وأخذنا طيب حديثك الذي أرانا من أنت وما أنت وكيف أنت وعماذا أنت وعلى ماذا أنت، فإن ألمعية أنجزت ما أنجزت يا صديقي لألمعية قد أكرمها الله بالتميز، ونظر إليها بعين الرضا، فوجبت الحضور واستحقت الخلود.
أتذكر يا صديقي تلك الجلسة الطارئة الهادئة ذات الوقت الأبيض، حين قلبنا معا أوراق القلق وقلنا ما قلنا عن القدس وعمان، وأهديتك زهرة «العلندة» التي تنبت في جبال الخليل حيث قيل إنها تشفي من المرض اللعين، قلت لك ممازحا: هذه زهرة الخلود أيها الملك الجليل، فضحكت كثيراً كثيراً وقلت: لن نعجز عن الصلاة في ما يتاح لنا من الوقت الإضافي!
لو كنت أعلم أنها الجلسة الإضافية يا صديقي لواصلت الكلام عن المسرات وعن وضوح المجد وسط غموض أسئلته التي لطالما استدرجت إجابات تتقن التخفي بموهبة ساحر.
ولقلت لك ما من نور في آخر النفق إلا ما تهجس به العين لعنة على الظلام.
هكذا ينبغي لهذا النور أن يواجه لعنة العتمة بما تملك العين من مسافات متحفزة، ربما لم أقل لك هذا، لكنني كنت أعرف تماماً كيف اقترفنا معاً أحاديث عن الحياة وأنت تتقافز خطوات فوق آخر الطريق، أعرف كيف كنت تأخذ الهواء إلى رئتيك كأنك تستنشق الحب دفعة واحدة، كنت تدخر الأنفاس حيناً وتهدرها حيناً آخر، تدخرها لتنفق الألم بسخاء، وتهدرها لتسفح الوجع باستهتار.
جميلاً كنت يومها حد العبادة يا صديقي، كأنك تسجد لولاء الهي وتمهد الخشوع لتلك الغفوة الأخيرة، تاركاً وراءك عبء البساطة حين تبلغ خريفاً لم يغمره المطر، ببساطة هكذا طويت سجادة الصلاة ونثرت الأدعية على الفراش واسترخيت بوقارشهر فضيل.
يا صديقي،
أيها الموت في الحياة، أيتها الحياة في الموت، البهجة لا تعود لكن لها مسامع وعيون فارفع إلى زنابقك قبلات مكشوفة الرأس حيث ينهمر الغيم فوق مدرج الروح.
يا أيها العماني الجميل:
«كل نواح الآن عقيم
وفارغة تراتيل الإطراء
وهمهمات الأسى الكسيح
ونحن نحلق في إرادة الموت».(4)
يا محمد القباني؛
من كل ألمك يومها كنت تبتسم، ومن كل ابتسامتي يومها كنت أتألم، فبعض الأفواه تفتر عن وجع وبعضها تزف أكاليل الغار إلى ضريح الضحك.
وكنت تضحك من المرض وتمد إليه لسانك، وتضحك على الموت  بطرف شفتيك،أريد أن أتذكر يا صديقي كيف مالت إليك يدي بنية الوداع وكيف مسحت كفك يدي بنية موعد قريب، ربت على كتفك بنية السلام كي تمر اللحظة بسلام وربت على أصابعي بنية إكمال ما بقي من حديث على الهاتف كي يمر الوقت بسلام.
يحلو لي أن أتذكر الآن، يا صديقي عليك السلام.
هوامش:
1 - ما بين القواس من قصيدة موطني وبعض مقاطع شعرية للشاعر إبراهيم طوقان حيث جسد الفنان القباني شخصيته في مسلسل.
2 - ما قاله جلجامش لصديقه انكيدو في الملحمة الأسطورية الشهيرة حيث جسد القباني دور جلجامش في مسرحية.
3 - من مقولة لأبي حيان التوحيدي حيث جسد الفنان الراحل الشخصية التاريخية في مسلسل.
4 - من شعر الشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف في الرثاء.

* مخرج مسرحي من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش