الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صراع الإرادات في مضيق هرمز

علي ابو حبلة

السبت 27 تموز / يوليو 2019.
عدد المقالات: 72

ناقلات مشتعلة في الخليج، وسفن حربية أمريكية تستجيب لنداءات الاستغاثة، وخطاب عدائي يثير مخاوف اندلاع صراع أوسع في المنطقة. «لقد شهدت المنطقة هذا الصراع سابقا ، أي قبل 28 عامًا، اصطدمت أمريكا وإيران في المياه نفسها، وتعرضت السفن لهجمات قتل وجرح فيها أفراد من طواقمها.
وقبل أن ينتهي الأمر، تم إطلاق النار على طائرة إيرانية، عن طريق الخطأ، كانت تحلق في السماء.هل يمكن أن يحدث هذا مرة أخرى؟
شكلت «حرب الناقلات وسفن الشحن» لحظة من التوتر الدولي الشديد في نهاية الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثمانية أعوام. كلا الجانبين كان يهاجم المنشآت النفطية للآخر منذ منتصف الثمانينات. وسرعان ما تعرضت السفن المحايدة للضرب، حيث حاولت الدول المتحاربة ممارسة ضغوط اقتصادية كل ضد الآخر، وكانت ناقلات النفط الكويتية التي تحمل النفط العراقي، على وجه الخصوص، عرضة للخطر.
وكانت الولايات المتحدة بقيادة رونالد ريغان مترددة في المشاركة في الحرب التي شهدتها المنطقة في ثمانيات القرن الماضي ، لكن الوضع في الخليج أصبح خطيرًا بشكل متزايد، خصوصا عندما تعرضت السفينة الحربية الأمريكية، يو إس إس ستارك، لصواريخ «إكسوسيت» أطلقت من طائرة عراقية، زعم المسؤولون العراقيون لاحقًا أن ذلك كان حادثا عرضيًا.
وبحلول يوليو/ تموز 1987، أضحت السفن الحربية الأمريكية تُرافق ناقلات النفط الكويتية رافعة العلم الأمريكي. وبمرور الوقت، أصبحت المنطقة مسارا لأكبر القوافل البحرية منذ الحرب العالمية الثانية.
ومع مرور الوقت زاد الخلاف بين أمريكا وإيران ،وكان المرشد الأعلى في إيران، آية الله الخميني، يصف أمريكا بـ «الشيطان الأكبر» منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979.
وشهدت الفترة ما بين عام 1979 إلى عام 1981 تذمرا أمريكيا كبيرا بسبب العار والذل الذي لحقها نتيجة احتجاز إيران 52 من دبلوماسييها كرهائن لمدة 444 يومًا ،و على الرغم من أن إيران والعراق كانتا مسؤولتين عن الأزمة، إلا أن حرب الناقلات أصبحت بشكل ملحوظ جزءًا من الخلاف الطويل الأمد بين إيران وأمريكا.
ولم يختف هذا النزاع مطلقًا، بل عاد ليظهر بشدة مرة أخرى في أعقاب قرار دونا لد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015 وفرض عقوبات مشددة على إيران ، وأصبح الممر المائي «مضيق هرمز» مرة أخرى، ساحة المواجهات بين طهران من جهة وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى.
إذا تصاعدت الهجمات على ناقلات النفط، فقد تشهد المنطقة عودة لمرافقة السفن الحربية الأمريكية لناقلات والسفن الشحن في الممر المائي مرة أخرى كما حدث في ثمانيات القرن الماضي ،في 24 يوليو 1987 ، اصطدمت ناقلة كويتية تحمل العلم الأمريكي بلغم إيراني في أول قافلة بحرية ترافقها سفن حماية، مما دفع بالولايات المتحدة إلى نشر مزيد من القوات والسفن، وجعل الجانبين في مسار تصادم أكثر من ذي قبل.
وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، هاجمت المروحيات الأمريكية سفينة إيرانية بعد مشاهدتها وهي تزرع الألغام ليلاً.
وبعد ذلك بأشهر، تعرضت فرقاطة أمريكية، ووسفن أخرى لتفجيرات، دفعت القوات الأمريكية للرد بقوة أكبر من أي وقت مضى، فدمرت قواعد الحرس الثوري الايراني وهاجمت السفن الحربية الإيرانية.
وفي النهاية، انتهت الحرب. ولكن ليس قبل أن يصطدم الطراد الأمريكي، يو إس إس فينسنس، بطائرة إيرباص A300 الإيرانية ويسقطها، ظنا منه أنها طائرة حربية هجومية، ما أسفر عن مقتل جميع الركاب وطاقم الطائرة البالغ عددهم 290 شخصا.
الآن، وبعد مرور 30 عامًا، أصبحت الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على نفط الشرق الأوسط، أما إيران فلديها الكثير لتخسره من حيث الواردات والصادرات إذا ما أغلق المضيق. في الوقت الحالي، تبدو حرب ناقلات أخرى غير مرجحة، لكن حقيقة أن أحداً لايريد حقًا مواجهة شاملة لا يعني ذلك أن حربا لن تحدث.
أكبر خطأ ترتكبه الدول الغربيّة التي تُشهِر سيف العداء في وجه إيران هذه الأيّام، والولايات المتحدة على وجه الخُصوص، إنّها تُسيء تقدير قوّة الخصم الإيراني وحُلفائه، وردود فِعلهم المُحتملة تُجاه استفزازاتها السياسيّة والعسكريّة والتّصعيد الحالي في مِنطقة الخليج، وما يتفرّع عنه من أزمات، مثل حرب احتجاز الناقلات، هو المِثال الأبرز في هذا الصّدد.
عندما حذّر السيّد علي خامنئي، المُرشد الأعلى للثورة الإيرانيّة، قبل أسبوع من استمرار بريطانيا في احتجاز ناقلة نفط إيرانيّة أثناء مُرورها عبر مضيق جبل طارق في طريقها إلى ميناء بانياس على الساحل الشمالي السوري، اعتقدت السلطات البريطانيّة في لندن، أنّ هذه التّهديدات مُجرّد كلمات جوفاء، ولن تُترجم مُطلقًا إلى خطوات عمليّة، وها هو الحرس الثوري يُنفّذها حرفيًّا، ويحتجز ناقلة نفط بريطانيُة في مضيق هرمز، قال مُتحدّث باسمه أنّها انتهكت قوانين المِلاحة المُتّبعة، واصطدمت بزورقٍ إيراني، ولوّثت مياه الخليج.
باعتقادي، بريطانيا عندما أقدمت على احتجاز ناقلة النفط الإيرانيّة «غريس 1» لم تفعل ذلك لأنها اخترقت قوانين المِلاحة الدوليّة، وإنّما لأنّ التعليمات جاءتها من واشنطن والرئيس دونالد ترامب تحديدًا، وزوارق الحرس الثوري عندما أقدمت على ردّها الانتقامي باحتجاز ناقلتين بريطانيتين في مياه الخليج (أفرجت عن إحداها لاحقًا) لم تفعل ذلك بسبب حادثة الصّدام، أو تلويث مياه الخليج، وإنّما لاستخدام هذه النّاقلة كورقة ضغط على السلطات البريطانيّة لإجبارها بالقُوّة للإفراج عن الناقلة الإيرانيّة وفي أسرع وقتٍ مُمكن.
التوتّر يتصاعد، وحربا المطارات والنّاقلات بَدأتا، بشكلٍ واضِحٍ للعيان، والحرب المُقبلة لن تكون طريقًا باتّجاهٍ واحدٍ، وإذا كانت الحرب العِراقيّة الإيرانيّة كلّفت تريليون دولار، وبلغت خسائر أمريكا من جرّاء احتِلال العِراق سبعة تريليونات دولار.. ترى كم ستكون تكاليف الحرب المُقبلة التي قد تُغيّر شكل المِنطقة وخريطتها الجُغرافيّة والسياسيّة؟
يترك  الأمر للرئيس ترامب ومُساعديه «الصّقور»، مِثل جون بولتون ومايك بومبيو، الإجابة على هذا السّؤال، وكُل ما يتفرّع عنه من أسئلةٍ.
القيادة الإيرانيّة تُريد إيصال رسالة واضحة إلى الدول الغربيّة، والولايات المتحدة خاصّةً، إنّها تقول وتفعل، ولن تصمت أبدًا تُجاه أيّ خطوة عدوانيّة ترتكب ضدّها ومصالحها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش