الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تهجير مئات الفلسطينيين على طريق مخطط مشروع القدس الكبرى

علي ابو حبلة

الاثنين 29 تموز / يوليو 2019.
عدد المقالات: 72

في جريمة هي الأضخم منذ احتلال القدس عام 1967، هجّر الاحتلال 500 فلسطيني من منازلهم، بعدما هدم أكثر من مئة شقة في 16 عمارة سكنية في حيّ وادي الحُمص في صور باهر، فيما تنتظر 250 شقة أخرى المصير نفسه. ومع أنّ العدو لا ينتظر ذريعة لنسف البيوت، تحجّج هذه المرّة بقرب المنطقة من جدار الفصل العنصري الذي تم بناؤه لفصل القدس عن الضفة. أما المفارقة، فهي أن هذه البيوت تتبع إدارياً وقانونياً للسلطة الفلسطينية وان هذه البيوت محتصلة على تراخيص من السلطة الفلسطينية بموجب تقسيمات اسلوا للمنطقة.
هذه الجريمة اليوم بحق سكان وادي ابوالحمص في صور باهر المتمثلة بهدم منازلهم وتشريدهم تحت حجة تهديد امن المستوطنين المتواجدين قرب جدار الفصل العنصري الغير قانوني ومقام على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 وتندرج في سلسلة جرائم ترتكب من قبل قوات الاحتلال ضمن ما بات يعرف سياسة التطهير العرقي والتمييز العنصري التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق القدس والمقدسيين يقود إلى الاباده الجغرافية ويهدف إلى الترحيل ألقسري، أو التهجير بسبب قسوة ظروف المعيشة والسياسة العنصرية الذي تمارسه إسرائيل وهو ما يسمي دبلوماسياً «بالهجرة الطوعية» وسلطات الاحتلال في سبيل تسويق الاباده العنصرية للمقدسيين في القدس ترفع شعار الطابع اليهودي للمدينة.
هذه ليست المرة الأولى التي يهدم فيها الاحتلال منشآت وعمارات في القدس، لكن المختلف أن الحيّ يقع في منطقة يفترض أنها تابعة للسلطة إدارياً وأمنياً، كما يقول مدير «مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية»، زياد الحموري. ويضيف في حديث إلى «الأخبار» أن «ما حدث يُعدّ الجريمة الأشنع؛ لكونه هدماً جماعياً استهدف مئات العائلات. صحيح أننا شهدنا سابقاً هدم عشرات المنازل دفعة واحدة في قلنديا، لكن ما حدث  في وادي الحمص هو الجريمة الأضخم منذ احتلال المدينة». الجزء «المُستغرَب» في نظره أن «الأهالي أخذوا تراخيص بناء من السلطة. وبناءً على ذلك، عدّوا أنفسهم محميّين قانوناً من الاحتلال الذي أكد مرة جديدة أنه لا يقيم أي وزنٍ لسلطة ولا لغيرها. في نهاية المطاف، للاحتلال مخطط كبير هدفه إفراغ القدس من الفلسطينيين واستبدال المستوطنين بهم». ولذلك، ما جرى في صور باهر «ليس سوى جزء يسير من مخطط كبير يبدأ من مستوطنة غيلو في الضفة، ويمرّ بصور باهر وجبل المكبر، ثم رأس العمود وسلوان، انتهاءً إلى قلنديا حيث من المفترض أن يربط هذه المناطق ما يُطلق عليه الخط البُني الذي سيقضم أراضي الناس لإنشاء قطار خفيف يربط المناطق بعضها ببعض، وينتهي في مستوطنة ستقام عند قلنديا تضم 20 ألف وحدة سكنية».
الحدث، وبالتحديد لناحية حجمه، شكّل صدمة للأهالي، كما يقول مدير «مؤسسة التنمية للشباب المقدسي»، مازن الجعبري، مضيفاً: «الوضع حالياً صعب جداً، فنحن نقف أمام أكبر عملية هدم وتشريد للسكان بعد هدم باب المغاربة إبان النكسة العربية الكُبرى عام 1967». أما حال السكان، فهو «مأساوي... هم في صدمة ويعيشون مصيراً مجهولاً، لأننا نتحدث عن عملية تطهير عرقي أمام الكاميرات والعالم، ولا نعرف بعد كيف سنتصرف مع هذه الحالة ونحن ننتظر مزيداً من قرارات الهدم في الحيّ نفسه».
وهذه المخططات هي ضمن  مشروع  القدس الكبرى ، الذي من المقرر أن يكتمل رسميّاً بحلول 2020، ويمثّل «محصّلة طبيعية» للعمل الصهيوني المركّز والهادئ نسبياً، منذ احتلال كامل القدس، على إقامة امتداد (حضري وسكّاني) وبنية تحتية حول المدينة، وفيها تتناسب والابتلاع الكامل للمدينة، وهو ما يجعله مشروعاً يساعد في تجاوز التعقيدات السياسية المعهودة حول القدس كإحدى قضايا الوضع النهائي، أي بفرض أمر واقع تحت حجج «البناء الحضاري» والتطوير الاقتصادي والسياحي، فضلاً عن أنّ مسألة السيطرة الميدانية محسومة منذ اللحظة الأولى بحكم القوّة العسكرية، ثم جاءت مسألة «الشرعية الدولية» الجاري العمل عليها منذ إعلان الإدارة الأميركية الاعتراف بالمدينة «عاصمة لإسرائيل».
هكذا، كما مثّلت نكبة 1948 ترجمة للحضور السكّاني اليهودي إلى إشغال مؤطّر سياسيّاً واجتماعيّاً للأرض بقوة السلاح، يمثّل «القدس الكبرى» نكبة أخرى تهدف إلى تزويد الكيان الإسرائيلي بـ«عاصمة دولة» يتوافر لها عنصر الأمان بحكم عزلتها الجغرافية عن محيطها بجانب الشرعية الدولية، وليس بالحق المجرّد أو حقوق السكان الأصليين، بل  يراهن الإسرائيليون على طابع « يهودي  » للقدس الجديدة الكبرى ينحّي السياسة جانباً، ويقدّم الانخراط في «بيئة اقتصادية اجتماعية مشتركة» كهوية يمكنها جمع سكّان مدينة واحدة على اختلافهم، بناءً على الدور الطبيعي لرأس المال في تشكيل النمط البشري المعاصر.
من هنا، لم يكن التهجير القسري والإزاحة السكّانية للفلسطينيين، في الجهات الأربع حول مركز القدس «خبراً يومياً» أو «إجراءات شريرة» تعكس طمعاً مجرّداً، بل كان خطوات هندسية ومرحلية معدّة سلفاً كفلت تكوين كُتل من المنشآت وإعداد مساحات استيطانية قضمت الامتداد الحضري للمدينة، وضربت طوقاً استيطانياً حول مركزها، وربطته بالأراضي المحتلّة عام 1948، وأخلت قطاعات داخل القدس وفي مركزها لإقامة مستوطنات جديدة على حساب السكّان الفلسطينيين. وعلى سبيل المثال، تُمكن قراءة هدم تجمّع الخان الأحمر السكّاني من زاوية «القدس الكبرى»، وارتباطه بإنشاء مشروع E1 الاستيطاني الذي سيضمّ وحدات وفنادق ومنطقة صناعية، وسيربط الكتلة الضخمة «معاليه أدوميم»، الواقعة شرقيّ القدس المحتل عام 1967، بالشطر الغربي من المدينة المحتلّ عام 1948، أي إنه يشغل القطاع الواقع بين الشطر الشرقي للمدينة والأطراف الغربية لمحافظة أريحا الواقعة شماليّ شرقيّ القدس.
بالعودة إلى «القدس الكبرى»، يهدف المشروع إلى توسيع «بلدية القدس» سكّانيّاً وإداريّاً، لتمتد من مركز المدينة حتى مستوطنة «فيرد يريحو» شرقاً و«عتصيون» جنوباً و«بيت شيمش» غرباً، وكذلك من المركز حتى عيون الحرامية شمالاً، ما يرفع عدد المستوطنين في القدس إلى 150 ألفاً، بالتوازي مع تقليص نسبة الفلسطينيين من 40 % إلى 20 %، الأمر الذي يعني تحويلهم إلى أقلية تقيم في جزر معزولة. فالمخطط يشمل ضمّ أكثر من 100 ألف مستوطن إلى المدينة، بالتزامن مع إخراج أكثر من 120 ألف فلسطيني، أي ثلث عدد المقيمين فيها من الفلسطينيين.
وتكاملاً مع السيطرة الديموغرافية، يشمل المشروع إقامة شبكات طرق تسهّل حركة وحدات الجيش والأمن على أطراف «المدينة الكبرى» مع تشييد معسكرات ونقط مراقبة وأنفاق وجسور ومحطّات نقل ووقود، ويرتكز على الشوارع الطويلة الملتفّة حول التجمّعات السكّانية العربية لتعزلها وتربط المستوطنات بعضها ببعض ثم مع مركز القدس، فيصبح «المركز» نقطة التقاء شمال «المدينة الكبرى» مع جنوبها والشرق مع الغرب، بالإضافة إلى ارتكازه على الطريق العرضي الكبير الذي يربط المنطقة الصناعيّة، الواقعة قرب مطار اللد، مع المنطقة الصناعيّة في مستوطنة «عطروت». أيضاً من المخطط إقامة مناطق صناعيّة على طول الخط الذي يربط المستوطنات الغربيّة مع الشماليّة ليمتدّ نحو الشرقيّة، ومركزه الأكبر «معاليه أدوميم».
ولا يقتصر مشروع  «القدس الكبرى» على ربط بؤر استيطانية كبيرة بمركز المدينة مباشرة، وبؤر استيطانية صغيرة بالبؤر الكبيرة (أي أشباه المركز)، بل يؤدي تنفيذه بما يشمله من شبكات طرق متقاطعة إلى فصل جنوب الضفة المحتلة عن وسطها، وعزل القدس المحتلة نهائياً عن باقي الضفة، مع توسيع مساحتها الإجمالية أفقياً لتشكّل جسماً جغرافياً يمتدّ من محيط البحر الميّت شرقاً إلى محيط البحر المتوسّط غرباً، فتصبح مساحة القدس وفقاً لأحد أدبيّات المشروع «أكبر من مساحة العواصم الدولية الكبرى». ويمكن هنا تحديداً فهم أن «الأرض» هي البنية الرئيسية للمشروع، فهي العامل السابق لتجميع السكّان الصهاينة عليها في تكتّلات اجتماعية تمثل «الخام» الذي اشتغل عليه الذهن الصهيوني المخطِّط لخلق حيّز مديني يبدأ بإزاحة أصحاب المكان وساكنيه، ويكفل مجاله الحيوي نفيهم نحو الأبعد، وهي إزاحة أكثر «نوعيّة» وتركيباً من التي شملتها النكبة بمعناها العام القائم على التهجير.
المتتبع لخريطة المشاريع الاستيطانية، والأماكن التي تتسارع فيها وتيرة الهدم أخيراً، يصل إلى خلاصة مفادها أن الاحتلال بات في نهاية الطريق لضمّ الجزء الأكبر من الضفة إلى المناطق الخاضعة لسيادته، ولا سيما المعروفة بمناطق «ج» التي تضم 250 ألف فلسطيني، يرى الاحتلال فيهم عدداً «يسهل دمجه والسيطرة عليه». وإن كان يُنتظر أن تُعلن الولايات المتحدة بنود «صفقة القرن»، فإن ما يحدث في فلسطين عامةً والقدس خاصة، ما هو سوى تطبيق غير معلن لتلك البنود. وإذا ما استمرت الحال على ما هي عليه، فقد لا يبقى فلسطيني واحد في القدس. ما الذي قد يردع الاحتلال، خاصة أن أحياء مقدسية بكاملها ينتظرها مصير وادي الحمص نفسه؟ وهذا يتطلب من القيادة الفلسطينية موقفا وقرارات  ترقى لمستوى التحديات لمواجهة ومجابهة الخطر الذي يتهدد مصير القدس وتهويدها ضمن ما يعرف مشروع القدس الكبرى.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش