الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من يذكر البحر؟

تم نشره في الجمعة 23 آب / أغسطس 2019. 01:00 صباحاً
محمد عارف مشه

يتذكر حين كان يشاهد اباه نازلا من الباص متجها نحو الحارة فيركض نحو ابيه معانقا، علّه يحظى بشيء من هدايا أبيه المغمسة بالقهر وتعب العمل، يحمل عنه سلّة من التعب بينما عيناه تسترق النظر نحو الأكياس بما تحتويه مستعجلا خطواته الصغيرة للوصول إلى ساحة البيت الترابية، فتسرع الأم إلى رش الماء كي يبرد التراب. تفرش الحصيرة. تضع الفرشة الجنبية وتحضر ابريق فخار الماء ملفوفا بقطعة الخيش. يجلس الأب مبتسما لزوجته وأولاده والتعب يرتسم على تجاعيد الوجه فتزيدها قسوة وخشونة ورائحة تبغ الهيشي. بينما نظرات الطفل تستعجل الأم أن تخرج ما في السلة من أكياس.
يتنهد الأب تعبا. يخفي قهر عينيه. يجيء فت العدس والبصل والزيتون وحبة الليمون مقسومة إلى قسمين إبريق الماء الفخاري. يعتدل الأب في جلسته. يضع فحل رأس البصل أرضا. يدقه بقبضة يده. تعصر الأم نصف حبة الليمون على فت العدس وتوقف يدها أمام الأب ليحظى بمزيد من حموضة الليمون أكثر من البقية ثم تقدم صحن الزيتون الفخاري وتضعه أمام زوجها. فيغازلها بنظرة وطأطأة من عيني الأم.
يظل الأمل يلح في الذاكرة المثقوبة علهم ينتهون من فت العدس ويتم فتح الأكياس لكنها الأم دائما كانت تمعن في اغاظتهم بمماطلتها وتلكؤها بإحضار الأكياس ومعرفة ما بداخل هذه الأكياس فلعلّها كانت تمنح المزيد من حب الحب للأب.
يقرأ الأب الرغبة في عيني اولاده. ينظر نحو الأم. تنهض الأم دون أن يقول الأب أن تحضر الأكياس. فتمشي ببطء امعانا في تشويق الأولاد. تصل السلّة بتمهل. تتجه عائدة ببطء. ترفع الكيس الأول من السلّة. تمدد به مغلقا. يتناوله الأب. يتقن لعبة الأم أكثر امعانا وتشويقا. يشعل سيجارة الهيشي. يخرج الدخان كثيفا نحو عيني الأب. يغمض الأب عينا واحدة. يسعل. يمدد بيده نحو ربطة الكيس العلوية. يسعل الأب أكثر. تسرع في حمل ابريق الماء الفخاري وتعطيه للأب.
ينتهي الأب من شرب الماء. يحمد الله. يفك ربطة عنق الكيس. تمتد الأعناق. تتلهف العيون. يمد الأب يده داخل الكيس ثم يخرج خارطة الوطن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش