الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أنت منصة نفسك

رمزي الغزوي

الخميس 29 آب / أغسطس 2019.
عدد المقالات: 1973

كان على الإنسان في العصر الشفوي أن يكون أذناً تسمع وتعي. فالكلام لا يحفظ أو يعاد. هو عود ثقاب لا يشتعل مرتين. في ذلك العصر تولدت عبارة (السمع والطاعة) بكل دلالاتها القطعية الانصياعية. وتولدت في المقابل فكرة، أن الخادمة قد تسمن من أذنها إذا ما كِلنا لها مديح العسل وفستقه الشهي.
في ذلك الزمن كانت الحاجة أن يتقارب الناس؛ ليسمعوا بعضهم البعض، فكانت القرى والبيوت المتلاصقة والاجتماعات اليومية. وكان من البيان سحر يخلب الألباب. فثمة من يجبرك أن تسمع له وتتلذذ برُطب كلامه وعنبه. وثمة من يفرض عليك أن تمد رجلك، بعد أن ينبس أولى كلماته.
يوم أمس قرأت تعليقا لأحدهم على قضية محلية يسخر من صديق له قائلاً: يخلف على مارك زوكربيرغ (مؤسس الفيس بوك) الذي جعلك تعرف الكتابة. ويجيء الرد صاعقا: يعني حضرتك كنت تكتب قبل الفيس بوك، وكان لك صوت يطلع إلا صوتك في الحمّام.
نحن نحيا العصر التفاعلي وانفلاتاته، فوسائل الاتصال الحديث وفرت منصات سهلة مكنت (حتى الذي لا يقرأ ولا يكتب) أن يطلق أفكاره أو بلاويه. وهذا ما ولد شعوراً بالأهمية وتقديراً زائفا للذات مبالغا فيه لدى كثير من الناس.
فأنت إذاعة نفسك وتلفزيونها أو صحيفتها. تذيع وتبث وتطلق خطاباتك، دون رقيب أو حسيب. والجميل في فضائنا الأرزق أن (البوستات ببلاش، واللايكات مجاملة ومداهنة ومقراضة)، أي (اللايك باللايك)، والبادي يستحق الكومنت (المشاركة).
في العصر الشفوي تقارب الناس ليسمعوا، مما فرض عليهم أن يكونوا كالقنافذ، أي يتقاربوا بحذر حتى لا تؤذيهم أشوكهم. اليوم نحن متقاربون افتراضياً، ومتباعدون مكانياً ونفسياً وروحياً. ومع هذا تدمينا أشواكنا وتفقأ عيوننا، وتوغر مراراتنا وصدورنا.
أيام العصر الشفوي (العصر الاتصالي الأول للبشر) كان هناك مكانة للكلمة وقيمتها ومكانة لفارسها. اليوم لم يعد هناك كبير أو فارس. الجميع رؤوس في مزرعتنا الزرقاء ولا قنانير بيننا (القنانير هي رؤوس البصل الصغيرة). الكل يرى نفسه فحل بصل بحجم الكون. حتى القنارة ترى نفسها بطيخة أو تفاحة، أو فجلة بحجم قرعة. وهذا مطب إنساني جديد.  
هذا العصر التفاعلي خلاصة عصور ممتدة من الشفوي مرورا بالنسخ والطباعة والعصر الإلكتروني وثورة الانترنت. وجميل أنه قارب الناس، وباعدهم بذات الوقت. قاربهم افتراضياً وباعدهم جسديا، ولولا هذا لرأيت أشواكنا تفقأ عيوننا، وتدمي خواصرنا.
جميل ايضاً أن نرى الناس منصات لأنفسهم، مقدرين لذواتهم. ولكن في هذا الفضاء، ولكن الأجمل والأجدر بنا، أن ننزل الناس منازلهم، وأن نعي أنه لو اجتمعت (لايكات) العالم، على أن تغير الحماقة ما غيرتها. فالعبرة ليس فيما كتبنا. بل ماذا كتبنا؟ وكيف أثرنا؟. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش