الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إعادة رسم للمشهد

تم نشره في الجمعة 30 آب / أغسطس 2019. 01:00 صباحاً


حنان بيروتي

ما حدث كان أمرًا غريبا، في البداية لم أصدق عيني ظننتُ أني أهذي؛ فالحرب تضعك في ضغط نفسي هائل، تجعلك تكفر بكلّ قيم الحب والتسامح في العالم، فماذا يتبقى من عالمك وأنت تفقده تدريجيا مثل مجذوم، وتفقد الإحساس بالخسارة، والفقد يصبح اعتيادًا ؛نقطة التبلُّد هذه لا يمكن أن تصل لها إلا حين تكابد أوجاعًا تقصم روحك، وتفتت ذاكرتك لكن ما حدث جعلني أعيد حساباتي، وربما أكون دخلتُ عالم الجنون بلا مراحل وبلا مقدمات لكني بكامل إدراكي ووعيي صدقوني! أنا بكامل قواي العقلية و الجانب العاطفي من قلبي مثقوب بخسارات لا تشفى لكن...
الشارع كما يبدو أثناءالحرب والتناوش على الاقتتال والموت أشبه بقطعة طوب تكسرت بعد سقوط من مرتفع؛ أنقاض وردم وملامح مغبرة ضائعة، للحظة فكرتُ أن أُعيد رسم المشهد قبل أن تعبث أصابع الحرب الملعونة بتفاصيله!
كان ردم بيت «أبو حسان» في الزاوية وكأني في حلم  تخيلتُ لو رجع الدمار بحركة عكسية قبل الحرب والخراب،كأنّ فتات الأحجار والغبار والردم سمعتني فبدأت تتحرك بسرعة وتتشكّل الجدران ويعود للبيت شكله، ها هو البيت يرجع كما كان في سابق عهده، وقفتُ مشدوهًا تمامًا،اقتربتُ بخطى مترددة منه، رائحةُ الحياة عادت له وتلاشت رائحةُ الغبار الطاردة وظلّ الموت الساكن بين الردم، لم أصدق نفسي تلفتُّ حولي هل جننت؟ لم يكن أحد في الشارع وحدي أقف كالمعتوه أمام البيت الذي نهض من ركامه ووقف على جدرانه، والستائر على النافذة كأنها تلوّح لي!
أنا «قُصي» ابن الحرب رضعتُ دمها  وعمري إثنا عشر عامًا،وعجنتني أهوالُها والآن بات عمري سبعةَ عشرَ عامًا،انقطعتُ عن المدرسة وتوقفتْ حياتي مثل ساعة معطلة مركونة للانتظار،العالم يسهر كلّ ليلة على موجز الأخبار والمسلسلات الرمضانية، وينهض ليتسحر ويرجع لرقدته الطويلةِ متمنيًا للنهار أن ينقضي ليساهر المسلسلات مع ما أشتهاه من مأكل ومشرب، وينسانا نحن المركونين في زاوية الحسرة، ثمن اوجاعنا مدفوع من المشاهدين بكلمتين «يا حرام»
ما أطول الحياةَ! تتناهشني الأفكار في وقفتي أمام البيت، أقترب من الجدار أتلمسه؛ للجدران ظلالٌ وذاكرة، ينتصبُ أمامي بثبات كأنّه شخص يقف ليتبادل أطراف الحديث؛ لو كان للجدران القدرة على الكلام ماذا ستقول؟
تخيلتُ الكلمات ترتسم على الجدار، ليست كلمات فقط ثمة صورٌ ومشاهدٌ وصرخات ثمة رائحةٌ؛ رائحةُ الخوف والجوع وارتجاف الفريسة ضد عدو مجهول يا الله! الفرائس في الغابة تعرف عدوها تحذره وتهرب منه إلى مخابئها وجحورها، والناس في زمن الاقتتال الأعمى فرائس لا يعرفون من هو العدو؛ الأعداء في زمن الحرب ينبتون من شقوق الجدران مثل نباتات عنيدة، يتناسلون في الظلام.
أرجعتني أفكاري للواقع ها أنا أقف أمام ردم بيت أبو حسان والردم رجع بيتا، أفكر في أن ألجه، أطرق الباب، لا أحد، من الطبيعي ألا يكون أحد في بيت مهدَّم..لكني أسمع صوت خطى قادمة هل جننت ؟ تطلُّ من النافذة «زهرة» وهي تنظر الي باستغراب، أسألها عمن في البيت، تهز رأسها بالنفي: لا أحد هنا كلّهم رحلوا؛ هل رأيتَ أيا منهم؟
 أجيبها بالنفي و أطلب منها أن تفتح الباب لكنها تقول بأنها حاولت كثيرًا لكنه مغلق لا يفتح.
«لا مفاتيح معي، كيف يرحلون ويتركونني وحيدة في البيت بلا مفاتيح؟»
تتغير ملامح وجهها كأنها تشيخ وهي طفلة،أتراجع بخوف وأوشك على المغادرة لكنها تتشبث بي برجاء من وراء النافذة «أرجوك لا تذهب لا تتركني وحيدة أرجوك! أخبرهم أن يرجعوا أو أن  يفتحوا لي الباب! «
أهز رأسي كاني أعدها بشيء ما رغم أني أعرف مدى استحالة الأمر فأبو حسان وزوجته وأبنيه غادروا –كما سمعت-بعد تهدم منزلهم و زهرة ؟
لِمَ بقيت وحيدة ؟
كأني سمعتُ بأنّها...
ألتفت لأسألها فأجد ركام البيت مجددًا لا بد بأني أهذي،أعود للجلوس أمام بيتنا أفكر أفكر كثيرا في الخروج من مأزق الوجود، حين تحاصرك الحرب تحس الدُّنيا ضيقة كأنك منسيّ في خرم ابرة في عالم يتحرك ويلهث بلا توقف.
أين نحن؟ أين العالم ؟أين أذهب؟ من أكون ؟لماذا أنا هنا وسط هذا الخراب؟  ولماذا اخترت دار ابو حسان تحديدًا لماذا لم أختر بيتنا لكنه قائم ونوافذه بستائر تتحرك مع النسائم وفي الغرف أهلي الذين أحبهم كثيرًا لكني لا أجد أيا منهم!  أهلي لا بد بأني أهذي أنا أجلس في بيتنا أنظر من النافذة للشارع الخرب، يا الله! كيف تدمرت كلُّ البيوت المحيطة ببيتنا ألا أتنقل وأنا في حيرة...استند على سور الحديقة وأهمس في أذنه» إياكَ ان تصدق الحرب إنها تكذب! مزيفة لكن القتلى حقيقيون،هي  خدعة تخدع الحمقى  أما من لا يصدقها تدعه يواصل حياته أو موته لا فرق! «
لو ترجع لي قدرتي على التخيل لأيقظتُ الشوارع من خرابها، وأعدت للسوق الحركة والنشاط  وضجيجه الجميل، لأعدت لأوردة الحياة دبيبها، لكنستُ الصمت وفتحتُ الباب لـ «زهرة» لتستنشقَ الحياة بلا خوف....لكن خيالي مجمد غير قادر على التخيل أكثر، وغير قادر على الحراك كأني في قالب مجمد أفكر في الرجوع لأؤنس زهرة في وحدتها فأنا وحيدٌ مثلها في البيت الواسع وحيد تماما، أو ربما أغفو قليلا النوم يساعد على النسيان والإغراق في الهروب...ربما أحلم بالأنقاض ترجع عكسيًا لتكون البيوت و.....
تداول الأهالي بأنّ «زهرة» لما تزل مفقودة بين أنقاض بيتها، ودار «أبو قصي» رحلوا بُعيد مقتل وحيدهم الذي رفض مغادرة البيت حالمًا بعودة السلام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش